ابن حبيب ، أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان ( حوالي 174 ه / 790 م - 238 ه / 852 م )
عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون القرطبي ، أبو مروان السلمي ، من موالي سليم ، وقال ابن حارث هو من أنفسهم . فقيه مالكي مشهور متصرّف في فنون من الآداب ، وسائر المعاني ، ولد بالبيرة وسكن قرطبة . وبالأندلس بدأ تعليمه ، بل يقال إنه تفقّه هناك حيث سمع من صعصعة بن سلام ، والغازي بن قيس ، وزياد بن عبد الرحمن ، والحسين بن عاصم .
وتأثّرت عائلته بما كان يجري في عهد الإمارة الأمويّة بالأندلس من اضطرابات بسبب التعسّف الجبائي . حتّى أنّ والده هرب بكلّ عائلته - ومنها عبد الملك - مباشرة بعد ثورة ربض أهل قرطبة لسنة 202 ه / 817 م ، وانتقل الجميع إلى إلبيرة التي قضّى فيها ابن حبيب سنوات قبل أن يسافر إلى المشرق .
رحل إلى المشرق وعمره يفوق الثلاثين سنة بقليل . وترجم له المقري في كتابه نفح الطيب وجعله الأوّل في قائمة الراحلين من الأندلس [ المقري ، نفح الطيب ، 2 / 5 ] ، وكان خروجه من الأندلس سنة ثمان ومائتين للهجرة ( 823 م ) وقيل سبع ومائتين للهجرة . وبقي مدة يستفيد من الشيوخ والعلماء ويتشبّع بأصول الفقه المالكي ممّا سيكون له أثر بارز في التاريخ الفقهي بالأندلس . وعاد إلى موطنه الأندلس سنة عشر ومائتين للهجرة ( 825 م ) وقد « جمع علما عظيما » [ القاضي عياض ، المدارك ، 4 / 123 ] ودخل البيرة ينشر العلوم . ولما شاع أمر تبحّره في الفقه نقله الأمير الأموي عبد الرحمن بن الحكم ( 206 - 238 ه / 822 - 852 م ) إلى قرطبة ورتّبه في طبقة المفتين بها . وبقي يعلّم ويصنّف الكتب إلى أن توفّي ، والملاحظ أنه لم يأخذ عن الثالوث المالكي المصري نعني ابن القاسم ، وابن وهب ، وأشهب ، وهو لم يأخذ بطبيعة الحال أيضا عن مالك بن أنس ، ويأتي هذا الرد ما نقله الحميدي ، والضبي ، والذهبي .
فقد ذكروا أنه يقال إن ابن حبيب « أدرك مالكا في آخر عمره » ، وأنه روى حديثا عنه .
في مصر ، أعجب ابن أبي مريم بشدّة حرصه على طلب العلم ، فقال فيه : « ما رأيت أدوم منه على الكتاب » ، بل يقال إنه كان يتّخذ قارورة قد أذاب فيها اللبان في العسل يشرب منها كل غداة على الريق ، للحفظ .
أشادت المصادر بكثرة طلبته وتنوّعهم . رآه بعضهم وهو يخرج من جامع قرطبة « وخلفه نحو من ثلاثمائة من طالب حديث وفرائض ، وفقه ، وإعراب » . كما ذكر ابن عبد البر أنّ « أكثر من يختلف إليه الملوك وأبناؤهم من أهل الأدب » . روى عنه ابناه محمد ، وعبد الله ، وسعيد بن نمير ، وأحمد بن راشد ، وإبراهيم بن خالد ، وإبراهيم بن شعيب ، ومحمد بن فطيس . « وروى عنه من عظماء