و « التصريف الملوكي » ؛ وثابت بن محمد الجرجاني ، وكان نحويا عالما بالمنطق استقر بالأندلس بعد أن درس ببغداد ، والذاكر النحوي المصري الذي استقرّ بمصر . . .
ويمكن أن نعتبر أنّ ابن جنّي رجل تأليف أبرز منه رجل تدريس ، وأنّ شهرته تقوم على مصنّفاته ، وقد نوّه به كلّ من ترجم له وأشاد بتبحّره في الصرف خاصّة ، وقدرته على التخريج والبحث عن القدر المشترك بين مختلف الظواهر ، كما يتجلّى ذلك في معالجته للاشتقاق الأكبر ؛ لكنّ هذا لا يكفي لتبرير مكانته في التراث ، ولا يكشف عمّا يمكن أن تتّسم به كتاباته أحيانا من طرافة رغم التزامه بمنهج سلفه وتبنّيه آراء سيبويه خاصّة والعمل على الإقناع بوجاهتها في كلّ الحالات .
آثاره
أوّل ما يسترعي الانتباه في آثار ابن جنّي كتابا الخصائص ، وسرّ صناعة الإعراب ، فكلاهما فريد من نوعه لم يوضع حسب منوال سابق أو سنّة في التصنيف مألوفة عند النحاة .
الأوّل كتاب نظر في اللّغة العربيّة وإعمال للعقل في قواعدها بحثا عن المبادئ العامّة الكفيلة بالتدليل على تناسق نظامها . كما يمكن اعتباره الكتاب الرائد في أصول النحو ، تضمّن المكوّنات الأساسيّة لهذا الفنّ فضلا عن مواضيع لم تتناول في كتب النحو مثل قضيّة أصل اللّغات .
أمّا الثاني فهو أساسا كتاب في علم الأصوات ، ولم يسبق للسلف أن خصّوا هذا الجانب من اللّغة بتصانيف مستقلّة ، وفيه من الملاحظات والتوضيحات حول جهاز التصويت وحدّ الصوت وعمليّة النطق ومرتبة الحركة ما انفرد به ابن جنّي ؛ ويمثّل تناوله لمرتبة الحركة ، في هذا الكتاب وكذلك في كتاب الخصائص ، نموذجا لعمل توضيحيّ يهدف إلى ضبط حقيقة الأمور بإزالة ما يمكن أن يحدثه ظاهر الأشياء أو خطاب النحاة ومصطلحاتهم من التباس ؛ من ذلك أيضا تدقيق مفهوم العمل النحويّ باعتباره من صنع المتكلّم . ومنه تدقيق مفهوم الأصول التي يفترضها النحاة لتعليل التغييرات الصرفيّة باعتبارها مجرّد تصوّرات لم توجد في الاستعمال في أيّ وقت من الأوقات ؛ ومنها انتباهه لأنّ اللّفظ أي الصيغة الشفويّة للّغة هي الأصل ، وأنّ الخطّ مجرد فرع ؛ وبصفة أعمّ تبدو أهميّة مساهمة ابن جنّي من هذه الناحية في التراث اللّغوي في إلقائه أسئلة حول ظواهر ومفاهيم ومصطلحات هي مصدر التباس ووهم ، فأجاب موضّحا واضعا الأمور في نصابها .
أمّا قضيّة الاشتقاق الأكبر التي ما انفكّ الناس يعتمدونها للتنويه بابن جنّي فإنّها تبقى محدودة المدى ما لم توضع في إطار أعمّ ، هو سعي ابن جنّي الحثيث إلى تعليل كلّ مكونّات اللّغة العربيّة وبلورة منطقها الداخلي وإقصاء الاعتباط عنها ؛ ومن ذلك البحث عن دواعي اختيار أصول الكلمات وأبنيتها وإهمال ما أهمل منها ، فالاشتقاق الأكبر لا يمثّل إلّا آلية من آليّات التعليل ، وهو نفسه يعترف بأنّه لا ينطبق على كلّ الأصول ، ولذا يردفه بآليات أخرى للبحث عن العلاقة بين اللفظ ومعناه ، ومنها جرس الأصوات مرّة وتعاقبها في النطق مرّة ثانية ووزن الكلمة مرّة ثالثة . . .
وبصفة موجزة فلئن لم يخرج ابن جنّي عمّا أقرّه السلف وخاصة سيبويه من وصف للعربيّة