أن هجر الشاعر مصر سنة 350 ه / 961 م وانتقل إلى العراق فإلى فارس ، ممّا وفّر للنحويّ فرصة أخرى للتمكّن من شعره .
وعندما استولى عضد الدولة على بغداد ، بعد انتصاره على ابن عمّه عزّ الدين بختيار بن معزّ الدولة ، انتقل أبو علي الفارسي مع تلميذه إلى هذه المدينة سنة 368 ه / 978 م ، واستقرّا بها .
وظلّ ابن جنّي ملازما لأستاذه يحاوره ويناقشه ويعرض عليه ما يضعه من الكتب بدون أن يبدو منه ما من شأنه أن يدلّ على اعتداده بنفسه واستغنائه عنه إلى أن توفّي الأستاذ سنة 377 ه / 987 م ؛ إذ ذاك فقط انتصب للتدريس خلفا له ؛ وتوطّدت العلاقات بينه وبين الأمراء البويهيّين ، فخدم ، على حدّ تعبير القفطي ، أربعة منهم « عضد الدولة ، وولده صمصام الدولة ، وولده شرف الدولة ، وولده بهاء الدولة » ، وإليه أهدى أهمّ مصنّفاته كتاب « الخصائص » ؛ فقرّبوه وبوّؤوه مكانة مرموقة في مجلسهم ممّا جعله يفتخر بذلك في قصيدة له [ معجم الأدباء ، ج 12 ، ص 112 - 113 ] ، كما كان يحضر مجالس كبار القوم من كتّاب الدولة البويهيّة مثل أبي إسحاق الصابي ( 313 ه / 926 م - 384 ه / 994 م ) ، وارتبط بعرى الصداقة ببعض أعيان الشيعة كالشريف الرضيّ ، والشريف المرتضى ؛ لكن رغم ما لقيه من حظوة لدى البويهيّين وكبار القوم ، بل من أجل ذلك تعرّض لحسد البعض من معاصريه كعلي بن عيسى الربعي وقد تتلمذ مثله على أبي علي الفارسي ، وهجاه بعضهم في أبيات يتلاعب فيها بكلمات تتضمّن حرفي العين والرّاء قصد نبزه بعوره ؛ على أنّ ابن جنّي قد اعترف له عدد من معاصريه بعلمه وتبحّره كالمتنبّي ، ونوّهوا بأخلاقه كالشريف الرضي الذي رثاه إثر وفاته سنة 392 ه / 1001 م .
وقد ذهب بعضهم إلى اعتبار ابن جنّي شيعيا [ أعيان الشيعة ، ج 39 ، ص 209 ] ممّا حمل على البحث في حياته ومصنّفاته عمّا يؤيّد ذلك أو ينفيه ، فحظوته لدى البويهيّين وصلته بالشريفين الرضيّ والمرتضى واستعماله لبعض صيغ الدعاء عند ذكره لعلي أو ابنيه ، كلّ هذا من شأنه أن يبعث على اعتباره شيعيّا ؛ لكن من ناحية أخرى استعمل ابن جنّي صيغ دعاء لعليّ وسائر الصحابة ممّا لا يرد عادة على لسان المتشيّعين ، كما أنّه لا يبدو لنا أنّ مكانته لدى البويهيّين وغيرهم كافية لاستنتاج تشيّعه .
أمّا ميله إلى المعتزلة أو على الأقل تبنّيه أهمّ مبادئهم فلا شك فيه ، ففي كتاب الخصائص من المعتقدات الصريحة ما يؤيّد ذلك وخاصّة اعتباره أنّ اللّه « لم يكن منه خلق أفعالنا » [ الخصائص ، ج 2 ، ص 449 ] .
ولقد تصدّر ابن جنّي للتدريس خلفا لأستاذه من سنة 377 ه إلى وفاته سنة 392 ه ، لكنّه لا يبدو أنّه بلغ في ذلك من الشهرة ما بلغه أستاذه . وليس بين من تتلمذوا عليه أعلام مبرّزون ، فليس في ما سجّلته كتب التراجم من أخبارهم ما يدلّ على تفوّقهم في اختصاصهم ، من هؤلاء علي بن عثمان بن جنّي ، وهو أحد أبنائه الثلاثة ، أقام بمدينة صور ودرّس النحو بها ، وأبو أحمد عبد السلام البصري ، عرف بعمله في القراءات وتولّيه الإشراف على دار الكتب ببغداد ، وكان ابن جنّي يثق به إذ كلّفه بالتثبّت من معرفة أحد تلاميذه لمصنّفاته قبل أن يجيزه سنة 384 ه ؛ ومنهم أيضا عمر بن ثابت أبو القاسم الثمانيني ، وقد شرح كتابي ابن جنّي « اللّمع »
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 488
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٨٨