تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
أستاذه وابن خالويه ، ولقي المتنبي ، فربطت بين الرجلين صداقة تواصلت إلى أن قتل الشاعر سنة 354 ه / 963 م ؛ وكانت بينهما مطارحات شعريّة ولغويّة آلت إلى اعتبار المتنبي أنّ ابن جنّي أعرف الناس بشعره ، وسيخصّص هذا فعلا أكثر من تصنيف لشرح ديوان الشاعر ، أو الردّ على من طعن في شرحه . ولم ينفصل ابن جنّي عن أبي علي عندما غادر الموصل إلى دمشق [ المنصف في شرح تصريف المازني ، ج 1 ، ص 43 ] فإلى بغداد ؛ وفي هذه المدينة واصل تتلمذه على أستاذه ، ووجد فرصا عديدة لتوسيع مجال اهتماماته ، فأخذ عن عدد من الأعلام من ذوي اختصاصات متنوّعة ، ومنهم خاصة أبو بكر بن مقسم ، وكان متبحّرا في النحو الكوفي ، ملمّا بالقراءات ، وضع كتابا في الاحتجاج فيها ، وأخذ القراءات كذلك عن أبي إسحاق إبراهيم القرميسيني ، فدرس عليه كتاب القراءات لأبي حاتم السجستاني ، وقرأ على أبي الفرج الأصفهاني واستفاد من علمه بالشعر والأدب ، ولعلّ هذا ما يفسّر وفرة ما يستشهد به من الأبيات وأنصاف الأبيات الشعريّة في مختلف مؤلّفاته . ولا شك أنّه قد أخذ عن بعض أعلام المعتزلة ، وأثر ذلك واضح في كتاب الخصائص [ انظر مثلا ج
II
، ص 449 ؛ ج
III
، ص 251 ] . كما أنّه تتلمذ على بعض المتكلّمين ، فهو يشير إليهم بقوله « أشياخنا من المتكلّمين » [ ج
III
، ص 266 ] ؛ ولا نستبعد أيضا أن يكون حبّ الاطّلاع قد حمله على التشوّف إلى معارف أخرى كالمنطق أو الرياضيات . فممّا يبعث على افتراض هذا ما يوجد في كتبه من مصطلحات هي من مجال هذه المعارف . وبصفة عامّة تدلّ آثاره على اطّلاع واسع على ثقافة عصره واستيعات للتراث النحوي واللّغوي خاصّة ؛ لكن لا يبدو أنّه - رغم أصله الرومي - كان يحذق اللّغة اليونانيّة أو أيّة لغة أخرى غير العربيّة ، فلا نجد في آثاره إشارة ولو تلميحا إلى اليونانيّة رغم توفّر الفرص الملائمة لذلك [ الخصائص ، ج 1 ، ص 242 - 243 ] . ففي حديثه عن تفوّق اللّغة العربيّة على سائر اللّغات يستنجد بمن يعرف « العجميّة » ممّن يسمّيهم « مشائخنا » كأبي علي ، وبندار ، والسجستاني ، ليقيم الدليل على أنّه لا مجال للتسوية بين لغتهم ولغة العرب ؛ على أنّه لا يستبعد أن يكون قد حمله حبّ الاطّلاع والنظر الحثيث في خصائص العربيّة على الانتباه إلى استعمال بعض أصناف سكّان المدن التي أقام بها لألسنتهم غير العربيّة وخاصّة الفارسيّة قصد المقارنة وتتّبع دقائق النطق [ الخصائص ، ج 1 ، ص 90 ] . وفي بغداد التقى ابن جني مرّة أخرى بالمتنبي ، وقد يكون رافقه إلى الكوفة ونظر معه هناك في ديوانه ، واستفسره عن مواقفه من الأشخاص الذين ورد فيه ذكرهم ، وعندما دعي أستاذه أبو علي إلى شيراز من قبل عضد الدولة البويهي التحق به ابن جنّي ، وأقام معه في هذه المدينة إلى سنة 368 ه / 978 م ، فكان معه بمثابة الرفيق أو الصاحب الذي يحاوره ويتناقش معه في ما يعرض من مسائل لغويّة لتقليبها وتمحيصها والتعمّق فيها . ومكّنه أبو علي من الدخول إلى بلاط البويهيّين والمشاركة في المجالس التي تعقد بها ؛ وفي شيراز التقى ابن جنّي بالمتنبّي للمرّة الثالثة بعد
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 487 | المنجي بوسنينة