ويظهر أن عمرو بن دينار ، كان حريصا ، دقيقا ، محترزا في رواية الحديث ، فقد جاء عن شعبة قوله : « جلست إلى عمرو بن دينار خمس مئة مجلس ، فما حفظت عنه سوى مئة حديث في كل خمسة مجالس حديثا » .
وورد عن سفيان قوله : « قال لي عمرو بن دينار : مثلك حفظت الحديث ، وكنت صغيرا .
وقال : وبلغه أني أكتب فشقّ ذلك عليه » .
وقد وصف أبو نعيم في الحلية ابن دينار ، بالفقيه المتشدد والمتعبد المتهجد ، وقد قال :
« لمّا مات عطاء ، قال هشام لعمرو بن دينار :
إجلس وأفت الناس ، وأجري عليك رزقا .
قال : لست أريد أن أفتي الناس ولا أن تجري عليّ رزقا » .
ويتضح أن الرجل كان رفيع الخلق ، فقد قال سفيان : « جلست إلى عمرو بن دينار سنين فما قال لي كلمة تسوؤني قط » .
ويبدو من أحاديثه التي رواها عن الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم اهتمامه بشمولية الحديث النبوي الشريف لشتى مناحي الحياة ، فهو يركّز على الأحاديث التي تحبذ الجهاد ، ويوضح أمور العقيدة وشؤون الناس الاقتصادية والمعاملات اليومية . ولا غرو في هذا ولا عجب ، فالرجل كان يفتي بمكة لسنوات طويلة ، ولا بد أن يضيء فتواه بنور الحديث النبوي الشريف الذي يجد فيه الأصول والتأسيس للفكر الإسلامي الذي يتجسد في ضوء آيات القرآن الكريم وما تمثله من أمور العقيدة وأحكام الشريعة ، أي لا بد أن تأخذ الجوانب الاقتصادية والأحوال المالية وطبيعة مشاكل الحياة اليومية لمجتمعه حينذاك ، حيزا في فكره الذي ينبغي أن يقترن بالتطبيق العملي والإجراءات الواقعية ، أضف أنه استعان بالأحاديث التي تبحث في الحلال والحرام ، وأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الحرم المكي الذي يفتي فيه ، سيما في ظهور حالات جديدة تستوجب مرونة من الفقيه واستجابة للتحولات والمشاكل التي جاءت عن التطور التاريخي .
ومما يشير إلى اهتمام عمرو بن دينار بشؤون المعاملات المالية والعناية بالجوانب الاقتصادية وبما يسلط الضوء على وقائع تاريخية معينة ، روايته التي تقول : « بينما النبي يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال أعرابي : اعدل ، فقال له النبي : « لقد شقيت إن لم أعدل » وروايته حديث : « نعم السحور للمؤمن التمر » وروايته : « من أهديت له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها » .
بيد أن المقاصد الدينية له وطبيعة الرؤية التاريخية والحياة العقلية في عصره ، وتكوينه الفكري العقيدي ، كانت تدفع به أحيانا إلى إيراد روايات نادرة منها ما يتعلق بالنبي موسى وألواحه وصيامه ، ومنها ما يقوله الملك في القبر للميت ، إلّا أنه عموما متزن ودقيق وعملي ومفصح عن موقف سليم حين يورد عن ابن عباس روايته للحديث النبوي الشريف : « ما ولي أحد ولاية إلّا بسطت له العافية ، فإن قبلها تمّت له ، وإن خفر عنها فتح له ما لا طاقة له به » . قلت لابن عباس ، رضي اللّه عنهما ، ما خفر عنها ؟ قال : يطلب العثرات والعورات .
وتتجلى مقاصده الدينية أيضا في إيراد أحاديث عن التوبة وقبول استغفار العبد لربه ، وعن فضائل صحابة النبي محمد وعن النهي عن بعض الكبائر .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 424
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٢٤