تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 712

مساهمون:

ص٧١٢
الأمور ، ومنهم من أعمله في بعضها وهو القول المشهور ، يا للعجب إذا كانت شهادة العدول ترد بالاستبعاد ، بدعوى فيما يقدر على تحصيله بيسير العثرات والآحاد ، وعند التأمّل بإنصاف ، وتجنّب الميل والانحراف ، يبدو من أحوال هذه القضية قرائن توجب فضّ ذلك المكتوب ، وتؤذّن ببراءة المحبوس من العدد المطلوب ، وإن كان من جدّ هذا القول ليس من أهل التحبير ، ولا ممّن عرف بجودة البيان وبلاغة التعبير ، فإنّه ذو عسرة جادّ بما وجد ، وحليف وجد عصر بلالة طبعه شدّة ما به من الكمد ، أبقاك الله وكتب لك سداد الرأي وسعادة الأبد ، وعزّا ونعيما لا يحصرهما حدّ ، ولا ينتهيان إلى أمد ، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله صلاة دائمة ما دام ثناؤه في الألسن وثراه في الخلد » . وعلّق على هذه الرسالة أبو الحسن النّباهيّ قائلا : « وهذا المرسوم الفريد إن كان شيخنا أبو عبد الله بن بكر قد أتى به على البديهة ، أنه لأغرب من الخطبة التي قام بها منذر بن سعيد بين يدي الخليفة الناصر ، حين أرتج على محمد بن عبد البرّ ، وحيل بينه وبين ما رواه ، وانقطع القول بأمير الكلام أبي علي القالي . وإن كان الشيخ قد جدد قديما ما أظهره وأعدّه ، قصد مناظرة أخيه ، فلقد أحسن في عمله ما شاء ، وأجاد الإبداع والإنشاء » . يعدّ أبو عبد الله الأشعري من الفقهاء الفضلاء ، قد جمع بين العلم والعمل والعبادة ، والتقوى والورع والزّهادة ، طفحت صفحات مصادر ترجمته بالثّناء عليه ، وأشادت بفضله وعلمه ، ووجوب الانقياد إليه . وقد أثنى عليه تلميذه أبو الحسن عليّ بن عبد الله النّباهيّ المالقيّ مؤلف كتاب « المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا » إذ عقد موازنة بينه وبين عدد من العلماء الأجلّاء في جوانب متعددة ، تنمّ عن قوّة شخصيّة أبي عبد الله الأشعري ، وسداد رأيه ، وشدّة ورعه ، فقد عدّ قيامه بتجريح الشهود ، وتزييف ثلاثين منهم ، وما لحقه جرّاء ذلك من المشقة والنصب والكيد ، أشبه القضاة بيحيى بن معمر الذي سجّل في يوم واحد بالسّخطة على تسعة عشر رجلا . وفي توجيه طلّابه وحثّهم على الجدّ والاجتهاد منذ الصغر أشبه بقول الجنيد بن محمد لفتيان الطلبة : « يا معشر الشباب ، جدّوا قبل أن تبلغوا مبلغي ! فتضعفوا وتقصروا كما قصرت ! » حتى صار أصحاب أبي عبد الله الأشعريّ على هيئة متميّزة من لباس واقتصاد ، وجدّ واجتهاد بفضل نصحه وإرشاده . وفي تشدّده بالأحكام ، والتزامه بالصرامة في تنفيذ الحقوق وإقامة الحدود ، أشبه علماء وقته بالقاضي سحنون بن سعيد لم يكن ذلك ببعيد . وفي معاملته لأصحابه والعطف عليهم ، وقضاء حوائجهم والصفح عنهم أشبه بمذهب الفرج بن كنانة ، فإنه لا يرى زلّة لصديقه ولا يعدل في حاجته إليه عن طريقه . وكان من فقهاء الأمّة ، وعلمائها الأجلّاء ، وقضاتها الفضلاء ، يقاس بالقاضي محمد بن بشير المعافريّ الذي كان صدرا من صدور هذه الأمّة . وفي رسالته التي وجّهها إلى أمير غرناطة إثر اعتقاله ، وقد كتبها على البديهيّة ، أنه لأغرب من الخطبة التي قام بها منذر بن سعيد بين يدي الخليفة الناصر ، حين أرتج على محمد