على الطلبة ، محبّا في العلم والعلماء ، فنفع وأدّب وخرّج وهذّب ، حتى ساد عصره ، وفاق أقرانه ، وأصبح المشار إليه ببلده ، وكان من جملة طلبته : عبد المهيمن بن محمد الحضرمي السبتي ، أبو محمد ( ت 749 ه / 1348 م ) ؛ وأحمد بن محمد بن علي الأمويّ المالقيّ ، أبو جعفر بن برطال ( ت 750 ه / 1349 م ) ؛ ومحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن يوسف الهاشمي الطنجالي ، أبو عبد الله ( ت 753 ه / 1352 م ) ؛ وأحمد بن علي بن أحمد الحميريّ الغرناطيّ ، أبو جعفر الشقوريّ ( ت 756 ه / 1355 م ) ؛ وفرج بن قاسم بن أحمد بن لب التّغلبيّ الغرناطيّ ، أبو سعيد بن لب ( ت 782 ه / 1380 م ) ؛ وعلي بن عبد الله ابن الحسن النباهيّ المالقيّ ، أبو الحسن ( كان حيّا 793 ه / 1391 م ) .
كان أبو عبد الله الأشعريّ من البيت المشهور بالتّعيين والتقدّم والأصالة ، والرئاسة والسيادة ، فتقدّم لرئاسة بلده مالقة ، ناظرا في أمور العقد والحل ، ومصالح الكافة ، فقام بها أحسن قيام وباشرها على خير ما يرام . ثم تولّى القضاء بها ، وكان قوّاما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، فأظهر في أحكامه من الجزالة والشدّة ، ما ملأ به وجدا صدور الحسدة ونسبوا إليه أمورا حملت على إخراجه من مالقة إلى غرناطة . فدخل غرناطة وافر الحرمة ، عظيم الشأن مبجلا ، وتولى بها القضاء والخطابة في محرم الحرام سنة سبع وثلاثين وسبعمائة / 1336 م ، فسار في القضاء سيرته المعهودة من شدّة ، وصرامة معروفة ، ألّبت عليه الحسّاد ، وأثارت في نفوس الآخرين الأحقاد ، فتجرّع في غرناطة ، ما تجرّعه في مالقة فكأنه مع المتاعب والمشاكل على ميعاد ، فابتعد عن القضاء وانصرف إلى التدريس ونشر العلم وقد أثنى على تلك السيرة الحسنة لسان الدين بن الخطيب قائلا :
« فقام بالوظائف وصدع بالحقّ ، وجرّح الشهود فزيّف منهم ما ينيف على السبعين عددا ، واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة ، خاض ثبجها وصادم تيارها ، غير مبال بالمغبة ، ولا حافل بالتبعة ، فناله لذلك من المشقّة والكيد العظيم ، ما نال مثله حتى كان يمشي إلى الصلاة ليلا في مسلة لا يطمئن على حاله .
جرت في هذا الباب حكايات إلى أن استمرت الحال على ما أراده الله ، وعزم عليه الأمير في بعض من الخطة ليرده إلى العدالة ، فلم يجد في قناته مغمزا ، ولا في عوده معجما ، وتصدّر لبثّ العلم بالحضرة ، يقرئ فنونا منه جمة ، فنفع وخرّج ، ودرّس العربية والفقه والأصول وأقرأ القرآن ، وعلم الفرائض والحساب ، وعقد مجالس الحديث شرحا وسماعا على سبيل من انشراح الصدر ، وحسن التجمل وخفض الجناح » .
أما خطابة المسجد الجامع بغرناطة فقد تقلدها عن كفاءة عالية وشهرة علمية سامية ، مع نسك وزهادة ، وورع وعبادة . وكان في خطبه وصلاته كثير الخشوع ، لا يتمالك من سمع صوته - في الغالب - من إرسال الدموع ، يقرأ في الصبح بما فوق المفصل ، فيحسبه المصلّي خلفه كأنما قرأ بآية واحدة ، لحسن قراءته ، وطيب نغمته وصدق نيته ، وإذا ذكر شيء من أمور الآخرة ظهر على وجهه الاصفرار ، ثم يغلبه البكاء ، ويتمكن منه الانفعال .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 710
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٧١٠