وكان أبو عبد الله من الفقهاء المتّقين ، والعبّاد الصالحين زاهدا متواضعا ، مطرّحا للتكلف ، عديم المبالاة بالملبس موصوفا بالمروءة وقضاء حوائج الناس ، وقلّما كان يتخلف في يوم من أيامه عن عيادة مريض أو شهود جنازة ، أو تفقّد محتاج ، أو زيارة منكوب .
ويذكر الخطيب أبو جعفر الشّقوريّ عن مروءة أبي عبد الله الأشعريّ فيما رواه عنه أبو الحسن النّباهيّ ، فيقول : « كنت قاعدا يوما بين يديه ، في مجلس قضائه من حضرة غرناطة ، مهدها الله تعالى ، وإذا بامرأة قد رفعت له بطاقة مضمنها : يا سيدي ، رضي الله عنكم ، إنّما محبّتها في الرجل الذي طلّقها ، وهي تريد من يكلمه في ارتجاعه لها وردّها إليه .
قال : فتناول القلم وكتب على ظهر البطاقة أحرفا ودفعها إليّ ، فإذا هي : الحمد لله ، من وقف على ما في المقلوب فليصغ لسماعه إصاغة مغيث وليشفع لتلك المرأة عند مفارقها تأسّيا بشفاعة رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم لبربرة في مغيث ، والله تعالى يسلم لنا العقل والدين ، ويسلك بنا سبيل المهتدين » .
وكان كثير النصيحة ، والاجتهاد فيها ، لم يترك مناسبة تدعو لذلك إلّا اغتنمها فرصة سانحة للوعظ والإرشاد ، وكان ينصح طلبته بقوله :
« أوصيكم - بعد تقوى الله العظيم - بثلاث خصال : ألّا تكتبوا خطا دقيقا ، فإنّه يضرّ بأبصاركم ، ويقلّ انتفاع الغير به بعدكم ، وإذا خطّطتم أحدا ، فلاحظوا تخطيطه أن يكون الشخص المخطّط غير خليّ من المعنى الواقع في اسمه ، توخيا منكم للصدق ، وتحريا عن التجاوز المحض ، ولا يكن همكم بكتب الشيوخ لكم على ما قرأتم ، وليكن همكم أن تكونوا من الديانة والدراية بمثابة من يقبل قوله فيما يدعيه ولا يكذب فيه » .
كان أبو عبد الله الأشعريّ أديبا بليغا ، فصيح اللسان ، حسن الإيراد ، له نثر بديع يعلق بالفؤاد ، وله مقالات جمعت بين فصاحة الألفاظ ، وبلاغة المعاني ، وكلامه المرسل سهل حسن ، نبيل المقاصد والأغراض . وله رسالة كتبها إلى أمير غرناطة عندما كان معتقلا بدار الأشراف على ما نسب إليه من المسامحة في إضاعة مال الجباية ، نقتطف منها :
« . . . أليس من قواعد الحكم نظر حال المدّعي وحال المدّعى عليه ، ومن يليق به ما عزى له ومن لا يناط به ما نسب إليه ؟ هل يستويان مثلا أو يتقاربان قولا ، ويتقارنان عملا ، أو يتباعدان بعد المشرقين ، ويتباينان فوق ما بين عطاردين ؟ فمن الذي يتلو الآيات ويردّد واعظها ويسرد الأحاديث ويسمع مواعظها ، ويطرد في الأسحار الهجوع ويرسل في مجالس الخير الدموع ، ويتعبّد مع العابدين ، ويتقلّب مع السّاجدين ؟ أم هو كذا وكذا وكيت وكيت ممّا يكثر عند التّعداد ولا يجمل في مثله استعمال القلم والمداد ؟ فعلى من تحمّل اليمين والكذب ، أعلى من ألفه الجدّ أم على من غلب عليه اللّعب ؟ فإنّ غير هذا أو غير هذا لأمر ما وقيل هما في الثّناء سيّان ، وعند النّداء سميّان ، وقد ظهر للمدّعي في صكوك الحساب رجحان ، وهذا ديوان العمل فيه شهادة فلان على خطّ المطلوب وفلان ، فأدرأ هذه الشّبهة المشوّهة والحجّة الداحضة المموّهة . فإنّ اضطراب المذاهب في العمل بالكتاب وتفرّق أربابها على أشتات الطّرق والشّعاب ، فمنهم من أهمله جملة في كل
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 711
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٧١١