تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
الّتي يرى أنّها « تنير العقل وتدقّق الأفهام » ، وكتابات شلمه بن جبيرول وهو معاصر له . ومن الأكيد أيضا أنّه اتّبع في تعليمه النّهج الأندلسي الّذي يولي ملازمة الأحبار والفقهاء كبير عناية . كما أنّ معارفه العربيّة في جملتها ، تبيّن أنّه تتلمذ على أعلام مسلمين كعادة يهود الأندلس . وقد أخذ عنهم جلّ ما يعرف من علوم كلاميّة ، إن لم نقل كلّها ، وأخذ عنهم معارفه العربيّة والإسلاميّة ممّا كان سائدا إذ ذاك في الأندلس . وخصوصا معارف الأفلاطونيّة المحدثة وعلم التّصوّف . وله بعض اطّلاع على النّصرانيّة . وكلّها معارف نستشفّها من مؤلّفاته الّتي تظهره لنا رجلا عارفا بعلوم التّوراة ، والتّلمود ، والكتابات اليهوديّة على اختلاف مشاربها ، ومطّلعا على التّراث اليوناني والعربي ، وخصوصا الاتّجاه الأفلاطوني المحدث ، والتّصوّف الإسلامي وبعض مذاهب المسيحيّة . وضع مؤلّفات هي : « النّسق والمرتبة في الخليقة » وقد ضاع ، ومعجما عبريّا عربيّا ، لا يزال مخطوطا ، وشعرا فلسفيّا في النّفس فقد هو الآخر ، ونسب إليه كتاب بعنوان « معاني النّفس » . وأهمّ مؤلّفاته وأكثرها تأثيرا هو كتابه « الهداية إلى فرائض القلوب » . ألّف كتابه بعربيّة فصيحة سليمة ، وكتبه بخطّ عبري على عادة اليهود . وكان الهداية أوّل كتاب ترجمه يهودا بن تبون إلى اللّغة العبريّة حوالي 1160 ه ، كما ترجمه في نفس الفترة تقريبا ، يوسف قمحي ، ترجمة لم يكتب لها نفس ذيوع ترجمة ابن تبون ، ثمّ ترجم إلى عديد من اللّغات وأصبح توراة الزّهّاد اليهود فيما بعد . ألّف الكتاب لأسباب كثيرة ، منها أنّ أهل زمانه من بني ملّته ، تركوا الحبل على الغارب في أمور دينهم ما ظهر منها وما كان أقرب إلى العامّة ، فبالأحرى ما خفي منها في ثنايا الكتاب ( التّوراة ) وما نهجه السّلف الصّالح وما تدعو إليه فرائض القلوب . ومنها أنّ كتابه كان أصلا نابعا من تجربة فرديّة خاصّة ازدادت مع الزّمان ، فوضع لها قانونا يحدّها . ومنها أنّ هذه التّجربة قد تضيع بميل الهوى . لذلك فالكتاب شاهد منبّه يرجعه إلى الصّواب ، وبه يطلب نفسه بعلم ما جمع ويلزمها العمل به . وأخيرا أحبّ أن يجعل من هذه التّجربة : « كلمة كليّة باقية ، وكنزا مدخرا ، وسراجا يستضيء النّاس بنوره ويهتدون بهداه . إذ رجوت أن يكون انتفاع غيري به أكثر من انتفاعي به ، واهتداء سواي به من كمال حظّي فيه ، فعزمت أن أصنّف في هذا المعنى كتابا مفصّلا على أصول فرائض القلوب ولوازم الضّمائر ، وأجعله جامعا لجملة كافية في معانيها ، موضّحا لسبل الخير ، دالّا على مناهج الرّشاد ، قائدا إلى مسالك السّلف ، حاصلا على أدب الصّالحين ، منبّها من الغفلة ميقظا من السّنة ، غائصا على دقائق هذا العلم ولطائفه ، ملهما إلى العلم باللّه وبشرائعه ، باعثا على طلب النّجاة ، منشّطا للعامل ، منهضا للمتغافل ، هاديا للسّابق الأوّل ، ملحقا للتّابع الأخير ، مدرّبا للمبدين ومسدّدا للمتأخّرين . . . » [ ص 22 ، الإحالات على الطّبعة المذكورة أسفله ] . وبالجملة فالقصد من تأليفه تنبيه الغافل ، والمقصّر ، والمستخفّ ، والنّاكر من أهل ملّته ، بما يؤيّده البرهان ويشهد العقل بصحّته
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 686 | المنجي بوسنينة