ولكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيكم » [ الحلية ، 2 / 151 ] . وتوفّي الحسن في البصرة سنة 110 ه / 728 م [ ابن الأثير ، الكامل ، 4 / 205 ] وله من العمر سبع وثمانون سنة أو في التسعين [ المسعودي ، مروج ، 3 / 138 ] .
[ اجتهادات الحسن البصري ]
وبناء على ما تقدّم ، نجد المسائل الآتية في اجتهادات الحسن البصري في مسجد البصرة :
- الأولى :
أن الحسن البصري استطاع أن يجمع حوله في حلقته بمسجد البصرة مجموعة من الذين يتساءلون عن حلول للمشاكل المستجدّة في حركة الأحداث . وهنا نشأت أقوال القدرية والمرجئة ؛ وحسم الحسن البصري النزاع بتسمية من لا يقف مع الحق وينتصر للباطل بالمنافق ، فلا إرجاء في الأحكام ، وضرورة القول بالقدر . وهذا الموقف للحسن البصري جعله يقول ما لا يريد قوله فهو من أهل القدر ولا يتحدّث عنه كثيرا خوفا من سلطان الأمويين [ ابن المرتضى ، 15 ] ، ويرفض الإرجاء ولكنه يتابع أحداثه . وخرج عليه واصل بن عطاء ( ت 131 ه / 748 م ) الذي حدّد المصطلح بالقول ب « المنزلة بين المنزلتين » ، واعتزل حلقة البصري [ قارن ، ، -
Al - Aasam , Ibn ar [ Riwandi , p . 344
، وكوّن حلقة طلائع المعتزلة . ومن هنا ، فالحسن البصري عدّه المعتزلة واحدا من أصولهم الأولى في عقيدة الاعتزال [ ابن المرتضى ، 12 - 15 ] .
- الثانية :
أنّ الحسن البصري كان بعيدا عن ملابسات الحكم الأموي ، مع الشعور الداخلي بذنوب الأمويين في الحكم مثل استخلاف يزيد ، ومقتل الحسين ، واستباحة الكعبة من قبل الحجّاج ، ومقتل الصحابة والتابعين على أيدي الأمويين وولاتهم ، وغيرها . كل ذلك ولّد شعورا بالذنب الداخلي في أعماق الحسن البصري ، فآثر الاعتكاف والعبادة والزهد ، وجعل من وعظه تعميقا لتصغير الدنيا وتعظيم الآخرة . وبهذا يكون قد وضع أساس الأفكار الزهديّة المنظّمة في البصرة التي تحوّلت فيما بعد إلى تصوّف [ الشيبي ، الصلة ، 291 - 297 ] وأصحاب الخرقة الصوفية ، حتّى أنهم ينسبون إلى عليّ بن أبي طالب في إلباس البصري الخرقة [ م . س ، ص 295 ] ، وكأنه ربط بين زهده والتصوّف شكلا وموضوعا .
- الثالثة :
أنّ الحسن البصري مثّل في طبقة التابعين أنموذجا لأولئك الصحابة القاعدين ، فلم يتحمّس في أقواله لأصحاب الحقّ في غير تصريحات مشكوك فيها كلّ الشكّ ، وفي تصريحاته التي لا تفصح عن موقف الواثق من نفسه في زحمة متغيّرات المفاهيم وظهور مصطلحات فرضتها الحياة الجديدة للمسلمين في عموم أرجاء الدولة العربية وهي تختلط بالأديان والعقائد والملل والنحل في المشرق والمغرب . وكان من الظاهر على الحسن البصري أنّه يتردّد في حسم كثير من الموضوعات الذاتية العقدية في قلب الدولة ( العراق والشام والحجاز ) ، فكيف الحال بما استجدّ من غرائب الأقوال والأفكار في المشرق وصولا إلى الهند وحدود الصين وكل ما وراء النهر مع كل رقعة فارس وخراسان وأذربيجان ، وصولا إلى مصر وتونس فالمغرب حتّى الأندلس . وهنا نلاحظ أنه