أن أباه كان فارسيا ، لكن لا نعرف كيف وصل المدينة ؛ غير أن رواية ابن سعد أن والده يسارا « اشترته الربيع بن النظر ، عمة أنس بن مالك فأعتقته » ؛ لكن المسعودي قال إنها امرأة من الأنصار [ مروج الذهب ، 3 / 138 ] . وقد ولد الحسن على الرق [ ابن النديم ، الفهرست ، 354 ] . والظاهر أن تربية الحسن البصري كانت بمستوى ابن عباس أو يقلّ عنه . نشأ الحسن بوادي القرى ، وفي أخباره أنه رأى نفرا من الصحابة منهم طلحة وعثمان ، وأنه شهد يوم الدار وله يومئذ أربع عشرة سنة . كما كانت رعاية علي بن أبي طالب للحسن ذات دلالة عميقة في فهمه العقدي والفقهي فيما بعد . وقد انتقل إلى البصرة في خلافة علي ، واستقرّ بها . قرأ الحسن القرآن على حطان بن عبد الله الرقاشي ( ت بعد 70 ه ) ، وعلى أبي عالية الرياحي ( ت بعد 90 ه ) ، وروى الحديث عن عمران بن حصين ، والمغيرة بن شعبة ، وعبد الرحمن بن سمرة ، والنعمان بن بشير ، وأنس بن مالك ، وخلق من الصحابة والتابعين . واتّخذ موقفا محايدا ومترددا من المسائل الكبرى التي أثارتها الأحداث في ذلك الوقت ، وهي أحداث كبيرة كمقتل عثمان بن عفّان ، وحقيقة الصراع بين الصحابة وعلي بن أبي طالب في معركة الجمل ، وحقّ علي في الخلافة إزاء ادّعاء معاوية بن أبي سفيان بنزع الخلافة عن علي في الشام ، وانتهت بمعركة صفين التي انتهت بالتحكيم . فانقسم المسلمون إلى ثلاثة اتجاهات : اتجاه يرى أنّ عليّا على حقّ ، واتجاه يرى أنّ عليّا ومعاوية معا على باطل ، واتجاه من القاعدين عن مناصرة الأولين أو الآخرين ، وكأنهم شكّلوا طلائع « المرجئة » .
والمدهش في سيرة الحسن البصري ، أنّه ظلّ يمارس الوعظ والتفسير في حلقة دراسية في مسجد البصرة . وتمرّ به الأحداث الجسام وهو لا يقول فيها أكثر ممّا يدلّ على تحرّزه في أن لا يقول ما يريد . ومن ذلك أنه عاصر مشكلة قتل الخوارج الإمام علي بن أبي طالب في الكوفة ، واستخلاف معاوية ابنه يزيد خليفة من بعده ، ووجد الحسن نفسه أمام متغيّرات سياسية مرعبة في قتل الحسين بن علي في كربلاء ، ثمّ ما عمّ العراق ( البصرة والكوفة ) من مفاجآت الحركة الزبيرية ، ومقتل مصعب بن الزبير في الكوفة ، وكيف انتقل الحكم الأموي من آل أبي سفيان إلى آل مروان في دمشق . وحافظ الحسن البصري على الصلة بعبد الملك بن مروان ، وكانت بينهما مراسلات لكنّه لم يكن مطمئنّا لسلوك الحجاج بن يوسف الثقفي [ ابن المرتضى ، 12 - 14 ] الذي أباح لنفسه أن يقتل سعيد بن جبير وغيره من التابعين ؛ ولكنه لم يتعرّض للحسن البصري أكثر من إحراجه في الرأي والتصريح بما يردّ عنه موقفا عدائيّا من الأمويين ، ومع ذلك مال إلى زيد بن علي بن الحسين الذي قتله الأمويون أيضا سنة 122 ه / 740 م . وهكذا تستمرّ الأحداث بالحسن البصري قابعا في مسجد البصرة يعظ ويفسّر ويذهب إلى تأويل المفاهيم بما يتّفق وحركة التجديد في الفكر الإسلامي في ذلك العصر . وكان إخلاصه لمثله يحمله على ازدراء من يحترف الارتزاق بأمور العقيدة .
فقد انتهى القرّاء حين وجدهم على باب ابن هبيرة ، وقال لهم : « ما يجلسكم ها هنا ؟
تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء ، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم ،
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 526
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٢٦