تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
عاصر صراعا جديدا في انقسام المسلمين إلى الشيعة ، وأهل السنّة ، والخوارج ؛ فكان الحسن البصري غير موثوق به من قبل الشيعة [ القمي ، الكنى والألقاب ، 2 / 76 ] ، وقد اختلف فيه أهل السنة ، وكفّره الخوارج . وهذا كله ساق إلى مشكلة الحسن البصري الذي ألبسه مؤرّخوه المختلفون ثوبا سياسيا يمثّل شكل الموقف المتشدّد في آن لا يحسب على حزب من الأحزاب أو فرقة من الفرق الأولى في الإسلام . أخذ الحسن القراءة عرضا عن حطان بن عبد الله الرقاشي ( ت بعد 70 ه ) ، وأخذ حطان عن أبي موسى الأشعري الذي عرض على الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ويرد اسم حطان بين أصحاب المصاحف من التابعين [ المصاحف للسجستاني ، 90 ] ؛ كما قرأ الحسن على أبي العالية الرباحي ، رفيع بن مهران ( ت بعد 90 ه ) وهو من كبار التابعين ، وعرض على أبي كعب وزيد بن ثابت وابن عباس [ طبقات ابن الجزري ، 1 / 284 ] ؛ وعن الحسن أخذ أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر وعبد الله بن أبي إسحاق وسواهم من المشاهير . لكنّ الحروف التي تفرّد بها الحسن جعلت علماء القراءة يصنّفون قراءته في الشواذّ . والحقّ أنّ قراءة الحسن بجملتها من القراءات الصحيحة في مقاييس القرّاء والفقهاء ، لأنها موافقة للعربيّة وللرسم العثماني وصحيحة السند ، ولكنّه قرأ في أحرف يسيرة بما يخالف الرسم العثماني ، أو يخالف مقاييس النحويّين واللغويّين ، ولم تثبت روايتها عن غير طريقه ، من نحو : نعجة ، وتسعة ، وعسيتم ، وجأن ، وأدرأتكم ، وسأوريكم ، والإنجيل ، وينحاتون ، وربط الخيل ، والشياطون ، والصواقع ، وصفقا باليمين ، ونحوها من أبنية نادرة في اللّغة [ الظواهر اللغويّة في قراءة الحسن ، 102 وما بعدها ] ، لكنّها وجدت تخريجها في كتب اللغويين وعزوها إلى لهجات العرب الفصيحة ، وإن لم تكن الفصحى [ المحتسب لابن جنّي ، 2 / 115 ] . ويبدو أن قلة الشيوخ الذين أخذ عنهم الحسن وهما اثنان فقط ، كانت أيضا سببا في عدّ قراءته في الشواذّ . إذ بلغ شيوخ بعض القرّاء ما يزيد على السبعين من التابعين ، وذلك ما نجده عند نافع بن أبي نعيم وأبي جعفر المدني ؛ فيكون شرط التواتر غير قائم في قرّاء الحسن الذي كان يركن إلى سليقة لغوية تعتمد الفصاحة العالية التي نعهدها في المتقدّمين من السلف مثل ابن مسعود ، وأنس بن مالك ، وابن عبّاس ، وأبيّ ، ونحوهم ؛ وهم ممّن رويت عنهم أحرف كثيرة في الشواذّ ، وغالبا ما يكون ذلك لمخالفتها للرسم العثماني [ الظواهر اللغويّة في قراءة الحسن ، 29 ] . ونلاحظ أيضا أنّ الحسن البصري ، عدا ما يدّعيه المعتزلة أنه من مؤسّسي أفكارهم الأولى ، هو رأس فقهي لأهل السنّة والجماعة لتحفّظه الشديد ؛ وبينما رآه الشيعة الإمامية غير موثوق به ، كذلك رآه ابن سعد [ الطبقات ، 1 / 114 ] أنه ليس بحجة ، تماما كما تشكّك السلفيون من أهل السنة في رواياته فنسبوه إلى التدليس والانتحال [ الذهبي ، تذكرة الحفاظ ، 1 / 71 ] ، حتّى اتهم بأنه كان يروي الحديث نقلا عن الرسول الكريم دون أن يخبرنا عمّن نقله من
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 528 | المنجي بوسنينة