ثانية يبدو أنّ تأثّر ابن بشكوال في الميدان العلمي كان أساسا بثلاثة شيوخ ، هم والده ، وأبو محمّد بن عتاب أوّلا ، وهما من قرطبة ، إذ قال ابن الأبّار : « عليهما كان معوّله في الرّواية » ؛ ثمّ أبو بكر بن العربي ، وهو من إشبيلية .
أمّا والده ، فإن كان من تأثير له فيه فهو يتمثّل بلا شكّ في تنشئته في إطار التّفكير المالكي وتدريبه على الانخراط في دوائر نوعيّة من الشّيوخ شاعت في العصر المرابطي ، خصائصها الأساسيّة تتمثّل في امتلاكها لشعور قويّ بالانتماء إلى هذا المذهب وتشبّث بالموطأ على أساس أنّه كتاب فقه وكتاب حديث ، وكذلك بالمدوّنة وغيرها من أمّهات كتب المالكيّة ، مع تعاطي التّوثيق كإحدى الحرف الأساسيّة .
أمّا شيخ أبي القاسم ابن بشكوال الثاني والذي كان بلا شكّ الأكثر تأثيرا فيه فهو أبو محمّد بن عتّاب ، أحد كبار رواة العلم بقرطبة وولد أحد كبار الفقهاء المالكية بها في العهد الطائفي ، وهو أبو عبد اللّه بن عتّاب ، المتوفّى سنة 462 ه / 1070 م ، عن سنّ تناهز الثمانين ، فقد أجمعت كلّ المصادر على الإقرار بمكانته ، وقال فيه القاضي عياض : « إنّه بقيّة المشيخة بقرطبة ومسنديهم ومقدّم مفتيهم وأكبر مسنديهم » [ الغنية ، رقم 64 ] .
والشخصيّة الثالثة التي ارتبط بها ابن بشكوال في تكوينه ، هو الفقيه أبو بكر بن العربي الإشبيلي . إنّ هذا الشيخ يعتبر من أكبر الفقهاء الأندلسيين في القرن السادس الهجري وحتّى في تاريخ المالكيّة بصفة عامّة . وقد اشتهر بالقدرة على التأليف والبراعة في الفقه والاهتمام بعلم الحديث .
وقد أخذ ابن بشكوال بالإجازة من أعلام من الأندلس ومن المشرق ، وممن أجازه من الأندلس أبو علي الصدفي ، وأبو محمد بن يربوع ، وأبو القاسم بن منظور ، وأبو عمران بن أبي تليد . . . وأجازه من المشرق أبو المظفر الشيباني ، وأبو علي بن العرجاء ، وأبو طاهر السلفي وهو الذي أصبح شيخ الرواية والحديث بدون منازع في وقته بالاسكندريّة . . .
عاش ابن بشكوال فترتين متميّزتين في التاريخ الأندلسي لكلّ منهما جملة من التوجّهات تميّز المناخ الفكري فيهما ، بقطع النّظر عن المميّزات السّياسيّة ؛ ونعني بالأولى الفترة المرابطيّة حيث ساد الفقه والفقهاء . وأساسا الفقه المالكي . وعمّ التقليد وغلب الاهتمام بالفروع ؛ والثانية هي الفترة الموحّديّة حيث ظهرت توجّهات تحارب بعض هذه المظاهر .
وخاصّة التّقليد والتشبّث بالفروع . وداعية إلى اعتماد ما نادى به باعث التّفكير الموحّدي « محمد بن تومرت » ( ت 524 ه / 1130 م ) من عودة إلى الأصول ، بل بدت عند أصحاب التّوجّهات الموحّديّة في بعض الفترات محاربة للمالكيّة إلى درجة الأمر بحرق عدد من أمّهات كتبها ، وهو ما تمّ في عهد الخليفة الموحّدي الثالث « أبي يوسف يعقوب » الملقّب ب « المنصور » ( حكم بين سنة 580 ه / 1184 م / وسنة 595 ه / 1199 م ) .
والموحّدون أخذوا في تعويض المرابطين بالأندلس منذ سنة 539 ه / 1144 م ، رغم أنّ مدينة مرّاكش العاصمة السّياسيّة لم تسقط في أيديهم سوى سنة 541 ه / 1146 م ، فيكون ابن بشكوال بذلك عاش تقريبا النّصف
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 502
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٠٢