الأوّل من حياته في العهد المرابطي ، وقد بدأ في الأندلس إجمالا سنة 483 - 484 ه / 1090 - 1091 م وقضّى النصف الثاني في ظلّ الموحّدين .
شغل ابن بشكوال بعض الخطط التي يؤهّله لها تكوينه فقد عينه أبو بكر بن العربي على قضاء بعض الجهات التابعة لإشبيلية ، وذلك أثناء تولّي أستاذه هذا قضاء هذه المدينة في عهد المرابطين ، والنهاية السيّئة التي عرفها إذ ثارت العامّة عليه لأسباب مختلفة اضطرّته إلى الفرار [ ابن عذاري ، 4 / 92 - 93 ] .
وفي سنّ الرابعة والثلاثين تقريبا أخذ ابن بشكوال يسلك سلّم الوظائف المعروف للفقهاء ، أي التدرّب على القضاء في جهات من درجة ثانية تحت رعاية قاض كبير ، مع التلبّس أحيانا بعقد الشروط ، وهو ما قام به في انتظار تعيينه قاضيا لمدينة ذات أهميّة أكبر ، ثمّ لإحدى العواصم الجهويّة .
لكن من الواضح أنّ هذا المسار قد انقطع ، فلم تذكر المصادر لابن بشكوال بعد ذلك أي اشتغال بوظيفة ما . فقد يكون لحقه ما لحق ابن العربي راعيه ؛ فهو لم يدع إلى القضاء مرّة أخرى رغم ولائه الكبير للدّولة المرابطيّة ، يضاف إلى ذلك ما مال إليه علماء كثيرون من العزلة من جرّاء الاضطرابات التي شهدتها الأندلس والتي آلت إلى ما يعرف بالفتنة الثانية ابتداء من سنة 539 ه / 1145 م ، ويبدو أنّ ابن بشكوال كان من هؤلاء العلماء الذين فضلوا الابتعاد عن الأحداث والاختلاط بالناس عموما .
ولئن شهدت قرطبة في منتصف الأربعينات من القرن السادس هدوءا واضحا ونشاطا علميّا كثيفا بفضل استقرارها تحت الموحّدين فإنّ ابن بشكوال لم يدع في عهد هؤلاء إلى الاضطلاع بأية وظيفة ولم يتّصل بهم وقد يكون ذلك راجعا إلى موقفه منهم فهو لا ينسى أنّه فقيه وأن الموحّدين حاربوا الفقهاء وكانوا سبب ما تعرض له شيخه ابن العربي من مصاعب عندما توجّه إلى مرّاكش سنة 541 ه / 1147 م - وقد تجاوز السبعين . على رأس وفد لتقديم بيعة إشبيليّة للموحّدين ، فتعرّض إلى السجن وتدهور صحّته ؛ ورغم الإفراج عنه فقد آل الأمر إلى وفاته بنواحي فاس في طريق العودة نحو الأندلس . فنحن نعتقد أنّ كلّ ذلك لم يكن ليجعل من ابن بشكوال أحد المتحمّسين للنظام الجديد ، بل بعث في نفسه مشاعر العزوف عنه ، وهي مشاعر أخذت تنمو فيما بعد أمام مبادرات الموحّدين وشعاراتهم التّي زادت في محاربتهم للفقهاء . وحتّى للمذهب المالكي - وأرادت ترسيخ بعض معتقداتهم - وخاصّة منها تلك المتعلّقة بمهديّة إمامهم « ابن تومرت » وعصمته . فبقي ابن بشكوال بعيدا عنهم رغم أنّه عاش في ظلّهم ما يفوق الثلاثين سنة ، وانكبّ أساسا على التدريس والتأليف .
لقد احتلّ ابن بشكوال مكانة هامّة جدّا في الفترة الموحّديّة في ميدان التّدريس ورواية العلم . هذه المكانة أثبتتها علميّا الدّراسات الحديثة [
[ Urvoy p . 181
، بعد أن أكّدت عليها المصادر القديمة . فابن الأبّار لم يدّخر جهدا في إبراز هذا الجانب من نشاط ابن بشكوال ، فذكر أنّ هذا الأخير : « اقتصر على إسماع العلم » ، وأنّ « هذه الصّناعة كانت بضاعته ، والرواة عنه - لعلوّ الإسناد وسعة المسموع - لا يحصون كثرة » ، ليؤكّد أنّه كان « متّسع الرواية ، شديد العناية بها ، عارفا بوجوهها ، حجّة فيما يرويه ويسنده ، مقلّدا في