وبآلامها وشقائها ، وبما فيها من حسن وجلال وفتنة » [ م . س ، 143 - 144 ] . أما المرأة فليست عقبة أمام تعاطي القصة وإبداعها لأن وضع المرأة الشرقية وضع متطور أولا ، وثانيا لأنه يمكن تصويرها كما هي في البيت والريف ، وليس من الضروري كما يقول المازني أن تقع حوادث الرواية في الطرقات أو المنتديات أو المحافل العامة حتى يصحّ القول بأن الحجاب عقبة في سبيل التأليف الروائي . . . الخ [ م . س ، 144 - 145 ] .
ومن الأمثلة الدالة على ضرورة وجود القصة في الأدب العربي في رأي البشروش رواية « إبراهيم الكاتب » للمازني التي خصّها بمقال نقدي تطبيقي أكد فيه رأيه بأن لا افتعال في فن القصة ، وأن المرأة لم تقف عقبة في سبيل إبداعها ، كما لن تقف في سبيل إبداع غيرها [ م . س ، 356 - 361 ] . وفي النهاية يؤكد الدعوة إلى كتابة القصة ، كما فعل هو نفسه لما أسهم في تأسيسها بتونس ، فيقول : « لقد تحتّمت الدعوة إلى القصة ، وإليها يجب أن تتّجه غايات الأدباء حتى نجعلها المعيار الذي يوزن به الأدب العربي كما يوزن به الأدب الغربي ، لأنها أصدق مرآة للعبقرية والنفوس » [ م . س ، 145 ] .
ومن القضايا النقدية التي طرحها البشروش في نقده ودخل بسببها في مساجلة مع صديقيه الحليوي والشابي قضية « لصوصيّة الشعر » ، أو ما يسميه النقد الحديث بالتناص أو التظافر النصي أو التداخل النصّي ، أو غير هذه المصطلحات . فقد كتب البشروش مقالة عن لصوصية الشعر بمناسبة مقال كتبه محمد الحليوي في نقد كتاب « على السفود » للرافعي الذي اتهم فيه العقاد باللصوصية . فيكون رأي البشروش في هذه المسألة ، بعد عودته إلى كتاب « العمدة » لابن رشيق ، وتطبيق ما قرأ على شعر العقاد ، أن الشاعر نوعان : صادق وهو من وفّق في اختياره وانتقائه فكان شاعرا باختياره ، صادقا بانتقائه ؛ وكاذب وهو من عني بنقل السخيف من الخيال والشائه من المعاني ، وذلك دليل على همود الطبيعة وارتكاس النفس ، فكان كاذبا باختياره ، زائفا بانتقائه واقتباسه . ثم يصنّف الشاعر الصادق إلى رجلين : « شاعر باختياره واقتباسه ، وشاعر بشخصيته وذاتيته . ذلك شاعر يولد كل يوم ، وهذا شاعر الإلهام الذي تضنّ به الأجيال والأعوام . فالشاعر سواء كان شاعر اختيار أو كان شاعر شخصية ، لا لصوصية في شعره ولا سرقة . وإذا كان لا بد لهؤلاء السادة من لصوصية فهي لصوصية الحياة ؛ أما اللصوصية كما يفهمونها ويريدون أن يفهموا بها الشعر فهي دعوى فارغة ، ومقياس مخذول ، لا دقة فيه ولا صواب » [ م . س ، 226 - 227 ] .
وبهذا التحليل الدقيق الذي قسم فيه البشروش الشعراء إلى شعراء اختيار أو قريحة ، وشعراء شخصية أو عبقرية ينتفي السرق في الشعر وتبطل كل ادّعاءات النقد الأدبي القديم الذي عقد محاكم للشعراء وأدانهم بالسرقة واللصوصية ، وكأن محمد البشروش كان يبشر قراءة بالنقد الحديث في اعتباره أن النص هو مجموعة نصوص تتراكم في ذاكرة الشاعر عبر تعلّمه منذ الصغر ، وقراءاته المختلفة في الكبر . . .
وإيمان البشروش بالتجديد الأدبي وضعه في صف الثائرين على الاتجاه القديم ، ونقد
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 494
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٩٤