البريكان ، محمود داود سليمان ( 1350 ه / 1931 م - 1421 ه / 2002 م )
ولد الشاعر محمود داود سليمان البريكان عام 1931 م في قضاء الزبير ، من مدن البصرة جنوبي العراق ، وتعلّم في مدارسها الثانوية ، ثم انتقل إلى بغداد ليدرس القانون في كلية الحقوق التي تركها عام 1949 م ، وعمل أثناء الدراسة مدرّسا ، كما سافر إلى الكويت عام 1953 م ليعمل في التعليم خمس سنوات ، حيث عاد ليتم دراسته في الحقوق ، ويعمل مدرسا للغة العربية في بغداد ، ثم يستقرّ نهائيا في البصرة عام 1967 م مدرسا في معهد المعلّمين بالبصرة التي لم يفارقها حتّى وفاته مقتولا في حادث سطو على منزله مطلع آذار ( مارس ) عام 2002 م .
بدأ البريكان الكتابة مع الجيل المعروف بالشعراء الرواد في العراق أواخر الأربعينات ، وبذلك عاصر أهم حلقات التجديد في الشعر العراقي والعربي الحديث ، وقد ربطته بالرواد علاقة وثيقة لا سيما بابن مدينته بدر شاكر السياب الذي وصف البريكان بأنه شاعر عظيم لكنه مقل وزاهد في النشر ، رغم معايشته لأحداث ساخنة في حياة العراق السياسية ، ومساهمته في الشعر الوطني عامي 1947 ، 1948 م وما بعدها بما نشر في صحف بغداد والبصرة التي أصدر فيها عددا واحدا من مجلّة « الفكر الحي » . كما كتب في الخمسينات قصائد حرة طويلة لعلّ أشهرها « أسطورة السائر في نومه » وفتح الباب لشعراء عديدين لكتابة هذا النوع من الشعر ذي الطابع الدارمي القصصي . وحافظ في قصائده على الأوزان متعدّدة التفعيلات ، وعلى القوافي المتغيّرة . وهي طريقة اعتمدها منذ كتابة قصائده الحرّة الأولى التي تعد من بدايات الشعر الحر في العراق .
يوصف البريكان بأنه الصامت الكبير في الشعر العراقي ، إذ لا نجد له ديوانا منشورا طيلة حياته ، وتوقف عن النشر كلّيا عام 1970 م . لكنه ظل يكتب الشعر بالطريقة ذاتها ، مؤكّدا أسلوبه الخاص في عرض الفكرة دون تقيد بحدود البيت الشعري ، متّجها في مرحلة لاحقة إلى القصائد المكثفة التي تعتمد الجملة الشعرية ، ولا تلتزم السطر الشعري المألوف ، رغم التزامه بالبحور الشعرية التي لا ينصاع لموسيقاها الوزنية ، كما يخفّف من تكرار القوافي لصالح تأملاته التي تركزت في قضية الوجود الإنساني ، والموت الذي يتهدّد البشر وحياتهم وحضارتهم في المرحلة الثانية من شعره الممتدّة من 1958 - 1969 م التي تلت بداياته الأولى بلور البريكان صورة « حارس الفنار » المطل على العالم من معزله أو منفاه ، لكنه يبصر حركة الأشياء والناس ، ويرصدها منتظرا ما أسماه « الزائر المجهول » الذي يجيء فجأة فلا تظل سيادة إلا للأرياح التي يقول الشاعر : إنها « سيدة الفراغ » :