المعاصرين والمتأخّرين من بعده ، هو كتاب « المقتفي » الذي جعله مقتفيا لكتاب أبي شامة الدمشقي : « الروضتين في أخبار الدولتين » ، ونوّه بذلك في مقدّمته ، فقال : « . . وبعد ، فإنّ علم التاريخ من أحسن العلوم وأشهرها ، وأصل الفوائد وأبهاها ، وأكمل المحاضرات وأزهاها . لأنه سبيل إلى الاعتبار ، ومنهاج يعين على الاختصار ، وتحفة تريك من مضى من الأمم عيانا ، ونزهة تشرح للمطالع فيه قلبا ، وتبسطه لسانا . وكان تاريخ الشيخ الإمام العلّامة الحافظ المفتي شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي المعروف بأبي شامة رحمه الله تعالى الذي جعله ذيلا على لبابه المسمّى بالروضتين في أخبار الدولتين ، ورتّبه على السنين وابتدأ فيه من أول سنة تسعين وخمس ماية ، وانتهى فيه إلى سنة وفاته سنة خمس وستين وستماية ، وهي سنة مولدي ، مجموعا حسنا ، وذيلا مستحسنا .
ولما طالعته وحصّلت به نسخة وقابلته ، أحببت أن أذيّل عليه من تلك السنة ، وأن أحذو حذوه فيما أتقنه وبيّنه ، وأن أهتدي بأنواره ، وأن أعدّ من جملة أعوانه وأنصاره ، ليكون تاريخه معلما ، وإتقانه محكما ، والمسؤول من لطف الله تعالى الإعانة ، ومن جميل كرمه الإبانة ، ومن ها هنا أبتدي فأقول : سنة خمس وستين وستماية . المحرّم .
في ليلة الرابع المحرّم توفي . . . » .
اعتمد البرزالي السّرد التاريخي ، ولم يفصل بين الحوادث والوفيات ، بل أدمج الاثنين ببعضهما ، حسب التسلسل الزمنيّ ، فيبدأ بذكر السنة كعنوان ، ثم ذكر الشهر بدءا بشهر المحرّم ، وفي أول السطر يذكر ترجمة المتوفّى ، أو الخبر إن كان في بداية الشهر ، دون وضع أيّ عنوان أو فاصل بين الوفاة والخبر ، ويكتفي برسم دائرة صغيرة عند نهاية أحدهما . وفي حال الترجمة للوفيات ، يبدأ بذكر يوم الوفاة تحديدا بلفظ « عشيّة » أو « بكرة » أو عقب صلاة الفجر مثلا ، أو في آخر الليل ، وهكذا ، ثم يذكر اسم المتوفّى مع نسبه المطوّل في الغالب ، وتحديد عدد المرّات التي صلّي عليه ، ومكان الصلاة ، ومكان الدفن . ويذكر سماعه وطلبه للعلم وأسماء شيوخه ، ويؤرّخ لمولده بالشهر والسنة ، ويذكر أسماء الرواة عنه وتلامذته ، ثم أقوال العلماء فيه ، وفي هذا دليل على تحرّيه وعنايته بهذا الفنّ ، فكان هو المرجع الثقة .
والكتاب يؤرّخ من سنة 665 ه / 1266 م حتى سنة 720 ه / 1320 م في جزءين كبيرين ، وهو لا يزال مخطوطا إلى الآن ، ولا نتوقّع أن يحقّق وينشر لصعوبة قراءته حيث طمست أكثر صفحاته من الرطوبة التي لحقت بأوراقه ، والذي يعيق تحقيقه أيضا عدم وجود نسخة أخرى من المخطوط بمكتبة أحمد الثالث بمتحف طوبقابي سراي باستانبول .
والمرجّح لدينا أنّ البرزالي أراد أن يتمّ « المقتفي » فوضع مسوّدة جمع فيها تراجم المتوفيّن ، والحوادث إلى آخر سنة 738 ه / 1338 م . ووقعت المسوّدة تحت يد صديقه المؤرّخ ابن الجزري المتوفّى مثله في سنة 739 ه / 1339 م . فنقل منها ما مجموعه 598 ترجمة ، وضمّنها كتابه « تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه » ، بالإضافة إلى 30 ترجمة اشترك الاثنان في كتابتها .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 324
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٢٤