يا ربّ خذ لي فقد ترى ضعفي * من فاسق الكفّ ما له شكر
أهوى إلى معضدي فرضّضه * ذو قوّة ما يطاق مقتدر
يلصق بي لحية له خشنت * ذات سواد كأنّها الإبر
حتّى اقتهرني وإخوتي غيب * ويلي عليهم لو أنّهم حضروا
أقسم بالله ما نجوت بها * اذهب فأنت المسوّر الظّفر
وإمعانا منه في التشفّي والتعدّي على الأعراف ، يرسم بشار البنت وهي تبحث لها عن مخرج من ورطتها ، ثم يقدّم لها نصيحة تكشف استخفافه بها وبذويها وناسها :
كيف بأمّي إذا رأت شفتي * وكيف إن شاع منك ذا الخبر
أم كيف لا كيف لي بحاضنتي * يا حبّ لو كان ينفع الحذر
قلت لها عند ذاك : يا سكني * لا بأس ، إنّى مجرّب حذر
قولي لهم بقّة لها ظفر * إن كانّ في البقّ ما له ظفر
افتتح بشار آفاقا لا عهد للشعر العربي بمثلها من جهة المواضيع والأسلوب . فلقد جعل الشعر يجاري لغة التخاطب حتّى أنه ابتدع ما يمكن أن ننعته بالترسّل بالشعر . يكتب مثلا مخاطبا محبوبته عبدة من الهزج [ الديوان ، 1 / 233 ] :
من المشهور بالحبّ * إلى قاسية القلب
سلام الله ذي العرش * على وجهك يا حبّي
فأمّا بعد يا قرّ * ة عيني ومنى قلبي
ويا نفسي التي تسكن * بين الجنب والجنب
لقد أنكرت يا « عبد » * جفاء منك في الكتب
أنزل بشار بن برد الشعر من عليائه إلى الحياة اليومية . ولم يتعفّف من طرق موضوعات لم يكن الشعراء ليولوها أي عناية . فكتب عن امرأة أهدته عطرا [ الديوان ، 3 / 215 ] ، وكتب عن جاريته ربابة من الهزج [ الديوان ، ص 4 / 35 ] :
ربابة ربّة البيت * تصبّ الخلّ في الزيت
لها عشر دجاجات * وديك حسن الصوت
قد توهم قصائده في هذا الباب أنها مجرّد سخرية وتفكّه ، لكنّها تبيّن أن بشار بن برد قد حوّل مفهوم الشعر ووظيفته . لقد أخرج الشعر من دائرة بلاطات ذوي الجاه والسلطان وتخطّى الغرضية التي انبنى عليها الشعر العربي ، ودحض التصوّر الذي يحصر الشعر في مواضيع محدّدة إن هو تعدّاها بطل أن يكون شعرا . جاء في [ الأغاني ، 3 / 62 ] أنه عندما مات له حمار ورآه في النوم قال له :