تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
ورعا تقيّا متواضعا ، ذكر حافظ الدين النّسفيّ في كتابه « الكافي » - في باب اليمين في الطلاق والعتاق - عند ذكر المسألة البردعيّة ، فقال : « إن أبا سعيد البردعيّ قال : أشكلت عليّ هذه المسألة فلم أجد ببردعة من أسأله ، فقدمت بغداد ، فسألت عن القاضي أبي خازم فكشف عليّ ومكثت عنده أربع سنين ، وقرأت « الجامع الكبير » قبل أن آتي بغداد ثلاثمائة مرّة أو أربع مائة مرّة » . وعرف أبو سعيد بأنه كان فقيها مناظرا بارعا ، مقدّما في معرفة المسائل الفقهية المشكلة ، سديد النظر في حلّها ، متفرّدا بتصحيحها وتصويبها ، قد أوتي علما واسعا ونظرا ثاقبا ، فقد تحدّثت مصادر ترجمته عن مناظرته للشيخ داود بن علي الظّاهريّ وتفوّقه عليه ، وذلك عندما « دخل بغداد حاجا ، فدخل الجامع ، ووقف على داود بن عليّ الظاهريّ ، وهو يناظر رجلا من أصحاب أبي حنيفة ( النعمان بن ثابت رضي الله عنه ) وقد ضعف في يده الحنفيّ ، فجلس البردعيّ وسأله عن بيع أمّهات الأولاد . فقال داود : يجوز . فقال له البردعيّ : لم قلت ؟ قال : لأنّا أجمعنا على جواز بيعهنّ قبل العلوق ، فلا نزول عن هذا الإجماع إلّا بإجماع مثله ! فقال البردعيّ : أجمعنا بعد العلوق قبل وضع الحمل ، أنه لا يجوز بيعها ، فيجب أن نتمسّك بهذا الإجماع ، ولا نزول عنه إلّا بإجماع مثله ! ! فانقطع داود وقال : ننظر في هذا » . لقد كانت هذه الحادثة السبب الرئيس الذي حمل أبا سعيد البردعيّ على الإقامة ببغداد ، وذلك لغلبة أهل الظاهر في ذلك العصر ، فقرّر السكن فيها ، ومارس التدريس في مساجدها ، حتّى انتهت إليه رئاسة الحنفية ببغداد في زمانه ، فكان شيخها بلا منازع وواحد العصر بغير مدافع ، قد جمع بين العلم والعبادة ، والتقوى والورع والزهادة ، ذكرت له منامات كانت أشبه بالكرامات : فقد روي عن أبي سعيد البردعيّ - بعد إقامته ببغداد للتدريس - أنه رأى في المنام كأنّ قائلا يقول له :
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
. [ الرعد : 17 ] فانتبه بدقّ الباب ، وإذا قائلا يقول له : قد مات داود بن علي صاحب المذهب ، فإن أردت أن تصلّي عليه فاحضر . حصل أبو سعيد على ثناء المؤرّخين له ، ووصفوه بكل جميل ، وأشادوا بعلمه وفقهه ، وعلوّ منزلته وتقدّمه على شيوخ الحنفية ببغداد حتّى سادهم ورأسهم ، فكان كبيرهم ومقدّمهم ، ومن المتكلّمين على مذاهب المعتزلة . أقام أبو سعيد سنين كثيرة ، ومدّة طويلة ببغداد ، ثم رحل إلى الديار المقدّسة لأداء فريضة الحج فقتل بمكّة المكرّمة في واقعة القرامطة مع الحجّاج في العشر الأوّل من ذي الحجّة سنة سبع عشرة وثلاثمائة . والبردعيّ : نسبة إلى بردعة - بفتح الباء الموحدة ، وسكون الراء المهملة ، وفتح الدال المهملة ، وفي آخرها العين المهملة - وهي بلدة من أقصى بلاد أذربيجان .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 317 | المنجي بوسنينة