تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
كأنّها صيغت لمن نالها * من عنبر بالمسك معجون
وقد عمد الشاعر في العديد من قصائده إلى فتح غرض الغزل على العبث والمجون . فبدّل من صورة المحبوب حتى أن المرأة المتغزّل بها في شعره لم تعد امرأة ناضجة بل بنيّة لم تكتمل أنوثتها بعد . وهو يصوّر عبثه بالصغريات من البنات في نبرة تجمع إلى التشفي وكسر الأعراف والتقاليد والتعدّي على الممنوعات والمحرّمات . نقرأ مثلا من الرمل [ الديوان ، 4 / 83 - 84 ] :
بنت عشر وثلاث قسّمت * بين غصن وكثيب وقمر درّة بحريّة مكنونة * مازها التاجر من بين الدّرر أذرت الدّمع وقالت : ويلتي * من ولوع الكفّ ، ركّاب الخطر أمّتا بدّد هذا لعبي * ووشاحي حلّه حتى انتثر فدعيني معه يا أمّتا * علّنا في خلوة نقضي الوطر أقبلت مغضبة تضربها * واعتراها كجنون مستعر بأبي ، والله ، ما أحسنه * دمع عين يغسل الكحل قطر
يتحوّل غرض الغزل في شعر بشار ، نتيجة ما يداخله من ميل إلى العبث والمجون ، إلى تحدّ واع للأعراف . فيرسم الشاعر لنفسه صورة شخص يتعمّد هدم قيم الجماعة ، ويتشفّى منهم عن طريق الإمعان في ما ينهونه عنه . لذلك تنفتح القصائد على بعد سجالي واضح وتتعدّد فيها الأصوات والمشاهد . يحدّث الشاعر مثلا عن حالة الغضب التي أثارها سلوكه بين ناس مجتمعه مصوّرا استهتاره بآرائهم ونصحهم . نقرأ مثلا من المنسرح [ الديوان ، 3 / 153 - 155 ] :
قد لامني في خليلتي عمر * واللّوم في غير كنهه قدر قال : أفق ، قلت : لا ، فقال : بلى ، * قد شاع في الناس عنكما الخبر فقلت : إن شاع ما اعتذاري * ممّا ليس لي فيه عندهم عذر لا أكتم الناس حبّ قاتلتي * لا ، لا ، ولا أكره الذي ذكروا . . .
ثم يأتي المشهد الموالي ليجسّد حال الإمعان في الغيّ والمجون ، إذ يرسم الشاعر كيفيّة إيقاعه بالبنت التي غاب عنها أهلها وحاضنتها . ويصوّر عبثه بها وتشفّيه منها حال قضائه وطره ، فلا يهدّىء من روعها وقد فزعت وهالها ما فعله بها . ويعمد الشاعر إلى تصوير هذه الحادثة بتفاصيلها على لسان البنت ، فيجعلها تلهج بصفاته المحبّبة إلى نفسه ومنها الفسق والغلظة والفحولة الكاسرة :
واسترخت الكفّ للغزال ( م ) * وقالت أله عني والدّمع منحدر اذهب فما أنت كالذي ذكروا * أنت وربّي معارك أشر قد غابت اليوم عنك حاضنتي * فالله لي اليوم منك منتصر