طرائق تفنّنه في صياغتها . من ذلك مثلا أنه كثيرا ما كان يفخر بانتسابه إلى الفرس حينا ، وحينا آخر يفتخر بانتسابه إلى بني عامر [ الديوان ، 1 / 389 - 391 ، 4 / 178 - 183 ] ، وكثيرا ما يمزح بين الفخر والهجاء فيفتتح القصيدة بذكر أمجاده من الطويل [ الديوان ، 3 / 101 - 105 ] :
أنا ابن ملوك الأعجمين تقطّعت * عليّ ولي في العامرين عماد
خطبت وما أهدى لي اللّؤم بنته * وشبت وما يحمي حماي نجاد
وحسبك أنّي منذ ستّين حجّة * أكيد عفاريت العدى وأكاد
ثم يشرع في تعداد مخازي الباهلي الذي نذر القصيدة لهجائه والتعريض به . فيعمد إلى مقابلة القيم الممدوحة التي يسندها إلى نفسه بضدّها من القيم المذمومة التي يسندها إلى المهجوّ :
وأنت ابن لقّاط النّوى قد عرفته * وجدّك زنجيّ أبوه رماد
لقد كان عبدا للقشيريّ حقبة * وبئس الفتى عولى اليدين رقاد
برع بشار في غرض المدح أيضا وله مدائح مشهورة في محمد بن العباس ، والوليد بن العباس وسليمان بن هاشم بن عبد الملك .
وله مدائح كثيرة في الخليفة المهدي بالله .
غير أنه كان مبرّزا في الهجاء . ومهجياته كثيرا ما تجمع إلى السخرية الإقذاع والفحش . فلم يكن الشاعر يهاب أحدا ، بل كان يجرؤ على الناس كلّهم سواء كانوا من العامة أو من الخاصة . وروي أنه « لم يبق أحد من أشراف البصرة إلا مني بشيء من هجاء بشار أو اتّقى هجاءه » [ مقدمة الديوان ، 40 ] . ولم تسلم السلطة السياسية ورموزها أيضا من لسان الشاعر . فلقد هجا يعقوب بن داود وزير المهدي ، ثم هجا الخليفة المهدي نفسه ، فقال فيه من السريع [ الديوان ، 229 ] :
خليفة يزني بعمّاته * يلعب بالدبّوق والصولجان
أبدلنا الله به غيره * ودسّ موسى في حر الخيزران
أما في غرض الغزل فقد تمكّن بشار من توسيع دائرة هذا الغرض ليشمل مواضيع جديدة ، ويكرّس قيما مغايرة لتلك التي عرفتها العرب . وله حكايات مع عبدة تناقلها الرواة ، وقد نظم فيها قصائد غزلية كثيرة . والناظر في ديوان الشعر العربي قبل بشار يلاحظ ، في يسر ، أن الغزل إنما يعني إعلاء قيم المجموعة مجسّدة في المحبوب . ومدار الغزل ومحصّل أمره مدح الخصال التي مجّدتها الجماعة مثل الجمال والعفّة وعراقة النسب والحسب .
وسيعمد بشار إلى قلب هذه التصورات جميعها ويفتح غرض الغزل على أبعاد أخرى . ففي حين درج الشعراء العرب على التغزّل بالمرأة الحرّة الشريفة المترفة التي تنتمي إلى سادة القوم وتنام الضّحى ، سيتغزّل بالمغنيات والقيان ويصل إلى حدّ التغزّل بالجواري السّود . يكتب مثلا من السريع [ الديوان ، 221 ] :
وغادة سوداء برّاقة * كالماء في طيب وفي لين