ومزدوج وسجع ورسائل ؛ وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع المتفنّنين في الشعر القائلين في أكثر أجناسه » [ الأغاني ، 3 / 24 ] .
والناظر في كتب النقد والبلاغة وتاريخ الأدب يلاحظ ، في يسر ، أن الإجماع حول شاعرية بشار ومقدرته الفائقة على التصرّف في الكلام نظما ونثرا ثابت تاريخيا . ويبدو أن الشاعر قد شغل الناس في عصره وفتنهم بشعره حتّى قال أيمّة الأدب : « إنه لم يكن في زمن بشار بالبصرة غزل ولا مغنية ولا نائحة إلّا يروي من شعر بشار فيما هو بصدده » [ مقدمة الديوان ، 1 / 52 ] .
كان بشار أعمى ، لذلك عوّل في شعره وتشبيهاته على حاسّتي الشمّ والسمع . فكثر الحديث في أشعاره وتشبيهاته عن الطيب سواء كان القول في الغزل أو في غيره . يقول مثلا مادحا الخليفة المهدي بالله ، من المنسرح [ الديوان ، 1 / 343 ] :
تشمّ نعلاه في النّديّ كما * شمّ النّدامى الرّيحان معتقبا
ورغم آفة العمى أذهل بشار معاصريه وقرّاءه بدقّة الوصف ورصد التفاصيل الطفيفة التي قد لا ينتبه إليها المبصرون ؛ من ذلك مثلا قوله من الطويل [ الديوان ، 1 / 334 - 336 ] :
غدونا له والشمس ، في خدر أمّها ، * تطالعنا ، والطلّ لم يجر ذائبه
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه * وتدرك من نجّى الفرار مثالبه
كأنّ مثار النّقع ، فوق رؤوسنا * وأسيافنا ، ليل تهاوى كواكبه
بعثنا لهم موت الفجاءة ، إنّنا * بنو الملك خفّاق علينا سبائبه
وقد اعتبر الجرجاني ما ورد في البيت الثالث من أدقّ التشبيهات وأبلغها في الشعر العربي .
فقد فاق بشار في ذلك فحولا من أمثال امرئ القيس والمتنبي [ أسرار البلاغة ، 59 - 160 ] .
لم يقطع شعر بشار صلته بالقديم العربي بل استلهمه ونهل من منجزه الفنّي . وهو يجسّد لحظة مفصلية في تاريخ الشعر العربي . ذلك أنه يجري على نهج القدامى ويفتتح آفاقا جديدة لم يسبق إليها . يتجلّى اقتداؤه بالقدامى في العديد من قصائده التي تتبع بنية القصيدة العربية القديمة فتبدأ بالوقوف على الأطلال لتتخلّص إلى الغرض الذي فيه القول . وقد ذكر صاحب الأغاني أن الرواة قد أجمعوا على أنّ أحسن الناس ابتداء في الجاهليّة امرؤ القيس في معلّقته وأحسنهم ابتداء في المحدثين بشار [ الأغاني ، 3 / 25 ] ، واستدلّ على ذلك بقوله من المتقارب [ الديوان ، 4 / 184 ] :
أبي طلل بالجزع أن يتكلّما * وماذا عليه لو أجاب متيّما
وبالفرع آثار بقين وباللّوى * ملاعب لا يعرفن إلّا توهّما
طرق بشار بن برد غرض الفخر في ديوانه فتعدّدت القصائد التي قالها في هذا الغرض ، وتنوّعت من جهة محتواها وعلى مستوى