ثم قال :
يا شاعرا زحم الدنيا بمنكبه * كالسيل يهدأ حينا ثم يطرد
تراقصت في لهيب من قريحته * ثلوج لبنان والأمواج والزّبد
وإذا كان شعر الرثاء والمدح والفخر قد سخر لمناسبات شتى ، ولا سيما الوطنية فإن حكمته الرائعة تذكرنا بحكم المتنبي ولا سيما حين تدخل في الحديث عن قضايا المجتمع والمنافحة عن الوطن والأمة ، كما نراه في قصيدته الرائعة التي أنشدها في نادي المثنى ببغداد سنة 1940 م في ذكري الثورة العربية الكبرى ومطلعها : [ د . 80 ]
يا سامر الحي هل تعنيك شكوانا * رقّ الحديد وما رقّوا لبلوانا
خل العتاب دموعا لا غناء بها * وعاتب القوم أشلاء ونيرانا
فقد طارت هذه القصيدة في سماء الأرض العربية ترددها الحناجر للتخلص من القهر والعبودية . . وفيها يشمت بالفرنسيين حين احتل الألمان باريس فيقول :
قل للألى استعبدوا الدنيا لسيفهم * من قسم الناس أحرارا وعبدانا
إني لأشمت بالجبار يصرعه * طاغ ويرهقه ظلما وطغيانا
سمعت باريس تشكو زهو فاتحها * هلا تذكرت يا باريس شكوانا
وكذلك كان له غزل رقيق شفيف يؤكد حسه العاطفي الفياض وهو الذي أحب زوجته حبا صوفيا . . ومن غزله قوله في إحدى قصائده :
[ د . 378 ]
يا من يلح هواي في استعطافها * وتلح في ظلمي وفي إعناتي
أنكرتني بعد الشباب وما خبت * نار على شفتيك من قبلاتي
أيام أرشف من لماك سلافتي * وأعلّ من آهاتك العطرات
فالبدوي في شعره الموضوعي والذاتي كان يصدر عن طبع انفعالي يؤكد سمو وجدانه ، ورقة مشاعره ، وصفاء ديباجته ، ودقة عبارته ووضوحها ، ورصانة أسلوبه وابتعاد تراكيبه عن الغموض والتعقيد ، وجمال صوره المشرقة الأخاذة ، ولا سيما حين ينساب في فضاءاته الصوفية التي تأصلت في شعره .
إن شعره يتسم من دون ريب - بالجدة مع القوة ، وصدق العاطفة وإثارة الوجدان والعقل معا . . . وإن كان يدور في أغلبه على مناسبات شتى ، ويقع أكثره في الرثاء والمطولات .
لهذا كله عني الشيوخ بشعره منذ يفاعة سنه ، فنشر ديوانه الأول « البواكير » في سنة 1925 م كما ذكرنا ، ثم ألحق هذا الديوان بديوان بدوي الجبل الذي قدم له الأستاذ أكرم زعيتر وجمعه وأخرجه عن دار العودة ببيروت سنة 1978 م .
أما نثره فقد صدر عن طبع طيع موات يتدفق على لسانه رقراقا عذبا دون تكلف أو تعقيد . . . فدل هو الآخر على أصالة رفيعة للبدوي تؤكد مهارته اللغوية وعمق ثقافته