الشيب أعلم بما ينفع ويضر ، ويمثّل علمه بما ينفع ويضر ما يشبه الإجازة للشعراء بأن يقدموا حكمتهم عن الحياة والنفس والوجود .
ومما قاله في التشوّق إلى أهله الذين رحلوا - قوله في لاميته [ الديوان ، 128 - 132 ] :
أبت عيناك إلّا أن تلجّا * وتختالا بمائهما اختيالا
على حيّين في عامين شتّا * فقلّ غناؤنا بهما وطالا
وأيّام المدينة ودّعونا * فلم يدعوا لقائلة مقالا
فأيّة ليلة تأتيك سهوا * فتصبح لا ترى منهم خيالا
أبو حنش يؤرّقنا وطلق * وعمّار وآونة أثالا
أراهم رفقتي حتى إذا ما * تجافى الليل وانّخزل انخزالا
إذا أنا كالذي أجرى لورد * إلى آل فلم يدرك بلالا
أرى ذا شيبة حمّال ثقل * وأبيض مثل صدر السّيف نالا
غطارف لا يصدّ الضيف عنهم * إذا ما طلّق البرم العيالا
بهم فخر المفاخر يوم حفل * إذا ما عدّ بأسا أو فعالا
وبيض لم يخالطهنّ فحش * نسين وصالنا إلّا سؤالا
وجرد لم يعله الدّاعي إليها * متى ركب الفوارس أو متى لا
فوارسهنّ لا كشف خفاف * ولا ميل إذا العرضيّ مالا
وقد وفر الشاعر لتشكيله الشعري عناصره الموضوعية بصورة تصل إلى حد الاستقصاء ، فبدأ بتصوير حالة الحزن التي ألمّت به ، وكيف أن عينيه لا تتوقفان عن البكاء لفراق حيّين من قومه . وهو يصور وداعهم وما ألمّ بهم من الحزن الذي لم يترك لهم فرصة للكلام . ويتحدّث عما يصيبه في ليله حين يذكرهم فيصير كالذي يبحث عن الماء في السراب ، وهي صور نمطية وظفها توظيفا جيّدا في شعره .
ويفخر بقومه فخرا يستمدّ أصوله من معجم الشعر الجاهلي ، فهم غطارف كرماء لا يشحون بما لهم في وقت الشدّة .
ويذكر النساء الحرائر اللائي لم يخالطهن فحش ، ولم يعد يذكرنه ، والخيول التي تذهل قلب راكبها عنه ، والفرسان الأشداء المتمرسين بالفروسية .
وتكشف الأبيات عن تمكّن ابن أحمر من الإبداع الشعري ، كما تتميّز بمعجم تتخلله بعض الألفاظ الغريبة التي لم نسمعها إلا نادرا عند معاصريه وسابقيه من الشعراء .
ومن جيّد شعره لاميته التي مدح فيها الصحابي الشاعر النعمان بن بشير الأنصاري والتي يقول فيها [ الديوان ، 133 ] :
شطّ المزار بجدوى وانتهى الأمل * فلا خيال ولا عهد ولا طلل