الناس إلى أبي نواس وله معان في صفات الخمر أبدع فيها وسبق إليها فاستعارها أبو نواس ونسبها إلى نفسه وهاجى مسلم بن الوليد ، فانتصف منه .
وله غزل جيّد كثير وهو من المطبوعين الذين تخلو أشعارهم ومذاهبهم من التكلّف . وكان يعنى عناية شديدة بلغته وألفاظه ، وأسلوبه رصين جذل وعذب ناعم يلائم الأذواق الرفيعة في المجتمع ، مستفيدا في ذلك من حياته في قصور الخلفاء والوزراء وأبنائهم ولذلك شاع في أشعاره النقاء والصفاء بالرغم من مجونه .
وهو أحد المتفننين في الشعر جيّد المدح جيد الغزل جيد اللهو كثير المجون صاحب جد وهزل . وكان من أشعر المحدّثين وكان من أرق الناس طبعا وأكثرهم ملحا وأكملهم ظرفا ، وكان ينطق عن حسن طوية ، ويمدح بخلوص نيه وكان طيب القلب .
ولظرفه وطيبة عشرته اتّخذه الخليفة الأمين نديما له ثمّ من بعده المعتصم والواثق والمتوكّل والمنتصر ، وكان محبوبا لديهم لا يملّون منادمته وصحبته ، ولذلك اتّخذه الواثق نديما له وملازما لمجالسه ومدحه بمدائح كثيرة ، وكذلك من جاء بعده من الخلفاء .
وشاع عنه المجون ووصف الخمر ومجالسها من ذلك قوله وهو ما يستحسن من شعره :
وشاطري اللسان مختلف التكري * ه شاب المجون بالنسك
بات « بغمي » يرتاد صالية النا * رويكنى عن أبيت الملك
دسست صفراء كالشعاع له * من كف علج يدين بالافك
يحلف في طنجها بملّته * ودين موسى ومنشىء الفلك
حتّى إذا رنّحته سورتها * وابدلته السكون بالحركي
كشفت عن عجنة مزعفرة * في لين صينية من الفنك
فكان ما كان لا أبوح به * في الناس من هاتك ومتهتك
وهو شاعر مطبوع حسن التفنن في ضروب الشعر وأنواعه ، وهو من الطبقة الأولى من الشعراء المجيدين وبينه وبين أبي نواس نوادر لطيفة ووقائع حلوة ومن محاسن شعره قوله :
لا وحبيك لا أصا * فح بالدمع مدمعا
من بكى شجوه استرا * ح وان كان موجعا
كبدي في هواك أس * قم من أن تقطعا
لم تدع صورة الضنى * فيّ للسقم موضعا
[ وفيات الأعيان ، ج 5 ، ص 30 ]
وقال أبو العباس ثعلب النحوي معلّقا عليها :
« ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا » .
وكانت بينه وبين أبي نواس مداعبات كثيرة ومشاجرات ، وروى له صاحب كتاب الأغاني أنّه قال : أنشدت أبا نواس لما حججت