إلى التعليم العصري . ولهذا الغرض كان من أشدّ المتحمّسين إلى بعث جمعية قدماء الصادقية ( 23 - 12 - 1905 ) مبيّنا في تقريره إلى المؤتمر التأسيسي الفوائد الماديّة والأدبيّة الجمّة المنجرّة عن المشروع باعتباره وكيل أوقاف المدرسة . وقد رغب في أن تكون الجمعيّة حلقة وصل بين أعضاء النخبة المتخرّجة من هذه المدرسة من جهة ( قرابة 600 نفر ) وفيما بينهم وبين بقيّة النخب الأخرى من جهة ثانية بغاية التلاقح ومزيد فتح الآفاق الفكريّة والاجتماعيّة عبر إلقاء المحاضرات في شتّى الميادين مع ما يستتبع ذلك من مناقشات وإفادة . ويبدو أن تطوّر الأحداث بالبلاد قد حوّل هذه الجمعيّة من محطّة ثقافيّة حواريّة إلى منبر سياسي يجد فيه الشباب التونسي وحركته مجالا آخر للتعريف بأطروحاته السياسية ومواقفه الوطنيّة . ويبدو أنّ تخلّي المترجم له عن الوظيفة وارتياده مهنة المحاماة قد حرّره أيضا من عديد الضوابط التي كانت من قبل تحول دونه ودون بروزه .
وطغت تدريجيا مواقفه السياسيّة على صفته كنائب رئيس للمنتدى التونسي وعضو بالخلدونيّة وعضو بلجنة إصلاح التعليم الصادقي وأمين مال الجمعيّة العلويّة ، وقد تمّ له ذلك خاصّة إثر صدور جريدة « التونسي »
Le Tunisien
( في 1500 نسخة تقريبا ) في 7 فيفري 1907 ، وهي أوّل جريدة تونسيّة أسبوعية تصدر باللغة الفرنسية تدافع عن مصالح التونسيين . وقد أجمع مؤسسوها ومموّلوها على تعيين المترجم له مديرها السياسي من تاريخ بعثها حتى تعطيلها في 7 مارس 1912 ( 211 عددا ) . وقد جاءت افتتاحية العدد الأول التي وضعها علي باش حانبة ذاته ، بمثابة البرنامج السياسي لهذا اللفيف من المثقفين الذين تجمّعوا في البداية بغاية الدعوة إلى « سياسة المشاركة » والنهوض بالوطن وعباده عبر المطالبة بتعميم التعليم ، وبتطوير الأوضاع الاقتصادية ، وبحقّ التونسيين في ارتياد الوظيفة العمومية . . الخ .
وبقدر ما كانت كتابات المترجم له وبعض صحبه في هذه الأسبوعية متعقلّة ومتّزنة إلى حدّ التواطؤ في البداية ؛ جاءت كتاباته إثر ذلك ، سيّما منذ مطلع 1910 ، أكثر جرأة وتجذّرا قاطعة مع المرحليّة التي تبنّوها سابقا . وقد ربط البعض ذلك بإحساس علي باش حانبة بأنّه صار الزعيم السياسي الفعلي لمجموعة الشباب التونسي منذ انتقال البشير صفر إلى سوسة عاملا على هذه الجهة ( 1908 ) ، فاتّخذ بذلك التلميذ موقع الأستاذ . وأرجع آخرون أمر هذا التجذّر إلى تعاظم عدد الشبيبة المثقفة المنخرطة ضمن مسار الشباب التونسي لا سيّما إثر انخراط الزيتونيين بالحركة وصدور النسخة العربيّة من صحيفة « التونسي » منذ 8 نوفمبر 1909 أيضا ( 1000 نسخة ) . وغير خفيّ أن في عنوان الدوريتين باللغتين الفرنسية والعربيّة أكثر من مغزى ، وأكثر من برنامج . وقد تمكّنتا من الردّ على مخاتلات السّلطة الاستعماريّة والردّ على افتراءات غلاة الاستعماريين ، وسهّلتا عمليّة التواصل فيما بين المثقّفين التونسيين بداية ، فضلا عن حصولهما على عطف بعض القوى اليساريّة الفرنسية . إضافة إلى ذلك فإنّ علي باش حانبة كان في كتاباته ساعيا إلى الدفاع عن الذاتيّة والخصوصيّة المحليّة