ضمن إطار التحديث . فكان من أشدّ المدافعين عن ضرورة إصدار دستور للبلاد والفصل بين السلطة واحترام حرية الصحافة ، وضرورة تمثيل التونسيين جميعهم في مجالس منتخبة وتشريك التونسيين في إدارة البلاد والحصول على الوظائف والإبقاء على جنسيّة اليهود التونسيّة . وطالب في كتاباته بتطوير أوضاع تونس الاقتصادية وإبقاء الأراضي لمالكيها وتنمية القطاعات الاقتصادية وتنشيطها . ونبّه ضمن الجانب الاجتماعي من مخاطر تفقير الأهالي ، والعمل على تحسين أوضاع الشرائح الشعبيّة بالتخفيض من المجبى وتعديل الضرائب بما يتلاءم وضعف حال أغلب السكّان وتطوير العدليّة بما يوفي بحقوق المتساكنين . أمّا في المستوى التعليمي والثقافي فقد كانت كتاباته تنادي بالحرص على فتح المدارس العصريّة وتطوير التعليم التقليدي الزيتوني ، إذ كان من أشدّ المعادين للكتاتيب القرآنية مع حرصه على التمسّك بتعلّم اللغة العربيّة باعتبارها عربون الذاتيّة ورمزها . فكانت بذلك مبادئ علي باش حانبة مزجا بين المؤثّرات الشرقيّة رديفة الحركة الإصلاحيّة والمؤثّرات الأوربية الليبرالية وليدة فلسفة الأنوار . كما أنّ باش حانبة لا يركن إلى الارتباط بقاعدة إيديولوجية جاهزة بقدر ارتباطه بمبادئ المدافعة عن حقوق المواطن وكلّ ما يمسّ هويته . ونتيجة ذلك كانت أطروحاته ومواقفه تتجذّر بفعل مواجهاته مع السلطة الاستعمارية وبالقياس إلى معاينات الواقع اليومي وتداعياته ، فكانت حججه وبراهينه وليدة رصيد البلاد التاريخي ومبادئ الثورة الفرنسية وتاريخ فرنسا ذاتها .
وقد اكتسب علي باش حانبة ضمن نضاله صفة الرجل الميداني أيضا إلى جانب صفة السياسي المفكّر لا سيما منذ 1910 .
فقد تمّت معاينته مرّات ملتحقا بنضالات الطلبة الزيتونيين خطيبا فيهم في أفريل 1910 ، حاثّا إيّاهم على التمسّك بمطالبهم الخاصّة بتعصير التعليم الزيتوني وضبط جداول أوقات التدريس والحدّ من غيابات المدرّسين ، مفيدا إياهم بأنّ « الحرية لا توهب وإنّما تفتكّ » .
كما تعاظم نشاطه أكثر منذ اندلاع الحرب الإيطالية الطرابلسية إذ انبرى يسند الطرابلسيين والعثمانيين في صراعهم ضد المحتلّ الإيطالي منذ سبتمبر 1911 ، والحال أنّه لم يعرف عن عليّ باش حانبة في السابق أيّة ميولات عقائديّة إسلاميّة مخصوصة ، إذ كان يدرج المسألة الإسلاميّة ضمن الدفاع عن هويّة المجموعات وخصوصيّاتها الذاتيّة .
فجمّع للطرابلسيين في هذا الإطار الأموال والأغذية والأدوية والدواب ، كما جنّد لهم المتطوّعين من قدماء المحاربين وغيرهم ، وأغاث المصابين مترئّسا في الغرض لجنة سريّة توزّع أعوانها بعديد جهات البلاد .
وكان بصفته تلك ينسّق تجميع هذا الدعم وتوزيعه وإيصاله مع الدوائر العثمانيّة بكلّ من إستنبول ومرسيليا وباريس . كما بادر أيضا ، وهو الصحفيّ المتميّز ، بإصدار دوريّة تدعم المقاومة الطرابلسيّة حملت اسم « الاتحاد الإسلامي » أقدمت السلطة على إيقاف صدورها بعد 6 أعداد لا غير بدعوى
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 103
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٠٣