العرب في التجارة والخطابة والشعر حيث التفاخر والتمايز ، وفيها يخطب كل خطيب مصقع ، فكان لقسّ دوره الريادي ومكانته المرموقة . وهناك رآه الرسول ( قبل البعثة ) يخطب على جمل أحمر ، فأبدى إعجابه بفصاحته وبلاغته . وممّا جاء في خطبته هذه قوله :
أيّها الناس ، اسمعوا وعوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، وكلّ ما هو آت آت . ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون ، أرضوا بالمقام فأقاموا ، أم تركوا فناموا ؟ ! يا معشر « إياد » ، أين الآباء والأجداد ، وأين المريض والعوّاد ؟ فتلك عظامهم بالية ، وبيوتهم خاوية ، عمرتها الذئاب العاوية [ الميداني ، مجمع الأمثال ، 1 / 111 ] .
وكل ما ينسب إلى « قس » من الخطب هي قطع صغيرة كلّها بالكلام المسجّع والجمل القصيرة . ويقال إنّه أوّل من صعد على شرف وخطب عليه ، وأوّل من قال في كلامه « أمّا بعد » ، وأول من اتكأ عند خطبته على سيف أو عصا [ الألوسي ، بلوغ الأرب ، 2 / 246 ؛ الزركلي ، الأعلام ، 5 / 196 ] . وبذلك يكون السبّاق في وضع مناهج للخطابة العربيّة سار عليها الخطباء اللاحقون .
ونجد في كتب التراث العربي عدة مقطوعات شعرية منسوبة إلى « قس » يتحدث فيها عن الملوك السابقين وقصورهم وعمرانهم وما آلت أحوالهم إليه من فناء وخراب ، أصبحت عظامهم بالية وبيوتهم خاوية . ويكثر من الوعد والوعيد ، والتحذير والتبشير ، وذكر الموت والمعاد والنشر والحشر ، والحساب والعقاب ، والجنة والنار .
وينفرد « لويس شيخو » بذكر قصيدة حائيّة طويلة نسبيا تتألف من واحد عشرين بيتا ينسبها إلى « قس » ويقول إنه نقلها من كتاب خط قديم في المكتبة البريطانية ، ومطلعها :
قد كنت أسمع بالزّمان ولا أرى * أنّ الزّمان يطيق نتف جناحي
ويختمها بقوله :
من ذا تصافق كفّه كفّ الرّدّى * يشري التّقى عن بيعة الأرواح
هذا وقد ذكره جماعة من الشعراء في أشعارهم ، وضربوا الأمثال به . قال الأعشى يصفه بالحلم :
وأحلم من قسّ وأجرى من الذي * بذي الغيل من خفّان أصبح حاردا
وقال الحطيئة يصفه بالخطابة :
وأقول من قسّ وأمضى إذا مضى * من الرّمح إذ مسّ النفوس نكالها
وأمّا لبيد فقد قال :
وأخلفن قسّا ليتني ولعلّني * وأعيا على لقمان حكم التدبّر
[ المرزباني ، معجم الشعراء ، ص 338 ]
هذا هو « قس بن ساعدة » خطيب العرب وشاعرهم وحكيمهم .
المصادر والمراجع
ابن قتيبة ، المعارف ، تح . ثروت عكاشة ، دار المعارف بمصر ، الطبعة الثانية ، 1969 م ص 61 ؛ الأصبهاني ، الأغاني ، تح . عبد السلام هارون ، مصوّر