جوعه ، والكنز الحقيقيّ هو ما ادّخره المرء من فعل الخير ، ثم نراه يرشد ابنه إلى الذي تصحّ مشورته ، إنّه بحق حكيم العرب ومن أعقلهم وأفصحهم .
ونسب لقس بن ساعدة أعمال خارقة فقد ذكرت بعض المراجع القديمة أنّه حين قدم وفد « إياد » على الرسول صلى اللّه عليه وسلم سألهم عن « قس » فأخبروه أنّه قد مات ، وتحدّثوا عن فصاحته وحكمته . فقال رجل : يا رسول الله ، لقد رأيت من « قس » عجبا ، بينا ، أنا بجبل في يوم شديد الحرّ ، إذ أنا بقسّ تحت ظلّ شجرة عند عين ماء ، وعنده سباع كلّما زأر سبع منها على صاحبه ، يطلب الماء قبله ، يضربه « قس » بالقضيب ، ويقول : ارجع ثكلتك أمّك حتى يشرب الذي ورد قبلك . فرجع ثم ورد بعده .
وإذا أنا بقبرين بينهما مسجد ، فقلت له : ما هذان القبران ؟ قال : هذان قبرا أخوين لي فماتا ، فاتخذت بينها مسجدا أعبد الله فيه حتى ألحق بهما ، وأخذ يبكي ويقول :
خليليّ هبّا طالما قد وقدتما * أجدّكا لا تقضيان كراكما
[ العسقلاني ، الإصابة ، 36 ، 280 ] .
وإذا صحّت الرواية ، فهل يعني ذلك أنّ « قس ابن ساعدة » كان وليّا من أولياء الله الصالحين فسخّر له ملوك الغابات : السباع .
كان « قس » حكيم العرب ، وكان يضرب به المثل في الفصاحة ، وقد ذكر الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه رآه يخطب بعكاظ وأعجب بفصاحته وبلاغته وقال : « يرحم الله قسّا ، إنّي لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة واحدة » . وقال الجاحظ : إنّ له ولقومه فضيلة ليست لأحد من العرب ، لأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم روى كلامه وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته وعجب من حسن كلامه وأظهر تصويبه ، وهذا شرف تعجز عنه الأماني ، وتنقطع دونه الآمال [ الجاحظ ، البيان والتبيين ، 1 / 52 و 1 / 163 ؛ البغدادي ، خزانة الأدب ، 2 / 91 ] .
وكان « قس » يفد على « قيصر » زائرا فيكرمه ويجلّه . فسأله « قيصر » يوما : ما أفضل العقل ؟
قال : معرفة المرء بنفسه . قال : فما أفضل العلم ؟ قال : وقوف المرء عند علمه . قال :
فما أفضل المروءة ؟ قال : استبقاء الرجل ماء وجهه . قال : فما أفضل المال ؟ قال : ما قضى به الحقول . [ القالي ، الأمالي ، 2 / 37 ؛ ابن منقذ ، ص 21 ؛ ابن عبد ربّه ، العقد الفريد ، 2 / 254 ] .
وهكذا يمكننا أن نتعرّف أكثر على علم كبير من أعلام العرب في العصر الجاهلي ، ويكفيه فخرا أنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، الذي أوتي جوامع الكلم ، يثني على فصاحته ويترحّم عليه .
وكذلك القيصر العظيم يسأله ليستفيد من حكمته وعلمه .
كان الخطيب في العصر الجاهلي يخطب باسم قبيلته ، في المواسم ، والوفود للمفاخرة ، والمشاجرة والدّفاع عن حقوق قومه . لذلك ارتقى فنّ الخطابة إلى مقام عال جدا . وفي هذا المجال سطح نجم « قس بن ساعدة » حتى قيل عنه إنّه خطيب العرب قاطبة ، وقيل إنّه أشهر الخطباء وأرفعهم قدرا ، وقيل كان فردا في زمانه ، وأضحى يضرب به المثل في الفصاحة والبلاغة حتى قيل : أبلغ من « قس » وأفصح من « قس » . وكان يتردد إلى سوق « عكاظ » في المواسم ، وهو أعظم سوق عند