تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
وذكر « العسقلاني » أنّه أوّل من آمن بالبعث من أهل الجاهلية وبشّر بالدّين الجديد ، وقال : فطوبى لمن أدركه واتّبعه ، وويل لمن خالف . وقد أثنى الرسول صلى اللّه عليه وسلم عليه لاحتجاجه للتوحيد ولإظهاره الإخلاص وإيمانه بالبعث [ العسقلاني ، الإصابة في تمييز الصحابة ، 3 / 279 ] . وذكرت بعض المراجع أنّ « قس بن ساعدة » اعتبر واحدا من الصحابة ، وأنّه أوّل من تألّه ( وتعبّد ) من العرب وآمن بالبعث ، ولم يكن يهوديا أو نصرانيا بل كان حنيفيا موحّدا ، وكان حكيم العرب ، وراقب الكون ومصير البشر ، وفكّر واعتبر ، فتحدّث عن الفناء وقال :
في الذّاهبين الأوّلين * من القرون لنا بصائر لمّا رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يمضي الأصاغر والأكابر أيقنت أنّي لا محالة * حيث صار القوم صائر
[ الألوسي ، بلوغ الأرب ، 2 / 244 وما بعدها ؛ ابن قتيبة ، المعارف ، ص 61 ] . هذا وقد ورد في الموسوعة العربية أنّه اعتنق النصرانية . وقال « نالينو » وهو يتكلم عن شعر النصارى في زمن الجاهلية : ومن هذا الباب أيضا قصيدة حائيّة مشهورة منسوبة إلى نصرانيّ آخر أعني « قس بن ساعدة الإيادي » [ كارلو نالينو ، تاريخ الآداب العربية ، ص 305 ] . وهكذا نلاحظ أن البعض يقول إنه لم يكن يهوديّا ولا نصرانيّا . وآخر يقول إنّه كان نصرانيّا . والجدير بالذكر أنّ الجميع يشهدون له برجاحة العقل وعمق التفكير ، فمال عن الدنيا وزخرفها ، وعاش على الكفاف ، وكان ينتهز الفرص في سوق عكاظ وغيره ليعظ الناس ويبعدهم عن عبادة الأوثان ويحثهم على عبادة الله حتى لا يغضب عليهم وينتقم منهم . إنّه مصدّق بالبعث والنشور وموقن بأنّ الله يثيب المطيع ويعاقب العاصي . فقد قال :
يا ناعي الموت والأموات في جدث * عليهم من بقايا بزّهم خرق دعهم بأنّ لهم يوما يصاح بهم * كما ينبّه من نوماته الصّعق
[ المرزباني ، معجم الشعراء ، ص 338 ؛ العسقلاني ، الإصابة ، 3 / 279 ] . لم يكن وعظه مقصورا على الناس ، فقد نسبوا إلى « قس » ينصح ولده فيقول : إنّ المعا تكفيه البقلة ، وترويه المذقة ومن ظلمك وجد من يظلمه وإذا نهيت عن شيء فإنه نفسك ، ولا تجمع ما لا تأكل ، ولا تأكل ما لا تحتاج إليه ، وإذا ادّخرت فلا يكون كنزك إلا فعلك ، ولا تشاورنّ مشغولا وإن كان حازما ، ولا جائعا وإن كان فهما ، ولا مذعورا وإن كان ناصحا ، وإذا خاصمت فاعدل ، وإذا قلت فاقتصد [ جواد علي ، المفصّل ، 8 / 766 ] . إننا نرى في هذه المواعظ ، زهد « قس » في الحياة الدنيا التي يتسابق الناس فيها على التكاثر من جمع الأموال ، حرامها وحلالها ، مع أن الإنسان تكفيه شربة من اللبن يسدّ بها