دليلا ، ولا في التّوكّل سببا ، ولا في النّجاة وسيلة . وهذا التّوحيد يصحّ بعلم الفناء ، ويصفو في علم الجمع ، ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع ؛ 3 - توحيد خاصّة الخاصّة ، وهو توحيد قائم بالقدم ، وهو الّذي اختصّه اللّه لنفسه ، واستحقّه لقدره ، وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من صفوته ، وأخرسهم عن نعته ، وأعجزهم عن بثّه ، والّذي يشار إليه على ألسن المشيرين بأنّه إسقاط الحدث وإثبات القدم . على أنّ هذا الرّمز في ذلك التّوحيد علّة لا يصحّ ذلك التّوحيد إلّا بإسقاطها . وإلى هذا التّوحيد شخص أهل الرّياضة وأرباب الأحوال :
ما وحّد الواحد من واحد * إذ كلّ من وحّده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحد
توحيد إيّاه توحيده * ونعت من ينعته الاحد
يحرص الهروي في بيان معالم الطّريق الصّوفي وتوضيح اصطلاحاته على الاستشهاد بالآيات القرآنيّة ، والأحاديث النّبويّة ، وأقوال السّلف ، وكبار الصّوفيّة السنّيين مثل الجنيد البغدادي ، سيّد الطّائفة وصاحب القولة الشّهيرة : « التّوحيد إفراد الحدوث عن القدم » الّتي أشار إليها الهروي في حديثه عن التّوحيد . ويلتحق تصوّف الهروي بالتّصوّف السنّي وحتّى السّلفي الّذي يقبل القول بالفناء في التّوحيد ، ويبتعد عن التّصوّف من نوع تصوّف الحلاج الّذي يقول بالاتّحاد أو من نوع تصوّف ابن عربي المتفلسف الّذي يقول بالوحدة ( عن رأي الهروي في الحلاج ،
Louis La Massignon , La passion de Husayn ibn Mansu r Hall j
، ج 2 ، ص 226 - 236 ] . هذا ونرى ابن تيميّة يستحسن في كتابه « منهاج السنّة النّبويّة » [ ج 3 ، ص 90 وما يليها ] قول الهروي في مشكلة الذّات والصّفات ، في كتبه « الفاروق في الفرق بين المثبتة والمعطّلة » ، و « تكفير الجهميّة » ، و « ذمّ الكلام وأهله » ، وذلك لمباينته لما رمي به الجهميّة دوما ، وهو تعطيل الذّات الإلهيّة من صفاتها ، رغم أنّه بالغ في ذلك إلى أن أتّهم بالغلوّ في إثبات الصّفات ، ولعلّ ذلك ما يفسّر رميه بالتّشبيه والتّجسيم .
وفي الكتاب نفسه [ ص 85 وما يليها ] يورد ابن تيميّة قول الهروي في التّوحيد بكامله ، ثمّ ينتقده من حيث تبعاته على مسألة أفعال العباد . فهو يرى أنّ الفناء الّذي قال به صاحب « منازل السّائرين » هو الفناء في توحيد الرّبوبيّة لا في توحيد الإلهيّة . والفرق بين الاثنين في اصطلاح ابن تيميّة هو أنّ الفناء في توحيد الرّبوبيّة لا يستحسن فيه العارف حسنة ولا يستقبح سيّئة ، فلا يميّز فيه بين المأمور والمحظور ، بينما يبقي الفناء في توحيد الألوهيّة على هذا التّمييز . وتوحيد الألوهيّة هو الشّهادة أنّ لا إله إلّا اللّه وهو الّذي بعثت به الرّسل ويتضمّن توحيد الرّبوبيّة . ويرى ابن تيميّة أنّ هذا هو المغزى من قولة الجنيد المذكورة أعلاه ، وأنّ الهروي يثبت توحيد الرّبوبيّة مع نفي الأسباب والحكم ، فيوافق بذلك قول الجهميّة ( نسبة إلى جهم بن صفوان ) القائلين بالجبر المطلق ، لأنّ الفناء عنده لا يجامع البقاء ، فإنّه نفي لكلّ ما سوى حكم الربّ بإرادته الشّاملة ، فيتجاوز كلّ