الاطّلاع ، والتّمسّك بالقرآن وبالسنّة وبمذهب أحمد بن حنبل ، فابن تيميّة مثلا يشيد في كتابه « منهاج السنّة النّبويّة » [ ج 3 ، ص 86 ] بما امتاز به الهروي من علم ، وسنّة ، ومعرفة ، ودين .
تتلمذ عليه كثيرون منهم : خادمه أبو الوقت عبد الأوّل السجزي ، والمؤتمن الساجي ، ومحمد بن طاهر المقدسي صاحب كتاب « صفوة التّصوّف » ، ويوسف الهمذاني الّذي اعتبر وريثا لمذهبه والّذي رتّب كتابه « منازل السّائرين » .
ويعتمد الآن في التّعرّف على حياة الهروي وتصوّفه على أعمال الأب دي بوريكاي
( Serge de Laugier de Beaureceuil )
العديدة ، وهو الّذي خصّص جهده للتّعريف بالهروي ، ويرجع فيما تعلّق بحياة الهروي بصفة خاصّة إلى كتابه
Khwadja Abdullah Ansari mystique hanbalite
، ص 13 - 167 .
يصف الهروي في مقدّمة كتاب « منازل السّائرين إلى الحقّ المبين » [ نشرة بوريكاي ، ص 1 - 7 ] ، الّذي يعدّ من أهمّ كتبه وأشهرها ، مواضع النّاس بالقياس إلى الطّريق الصّوفيّ ، وهي ثلاثة : المريد وهو الّذي يعمل بين الخوف والرّجاء شاخصا إلى الحبّ مع صحبة الحياء ، والمراد وهو رجل مختلف من وادي التّفريق إلى وادي الجمع ، وكلّ ما سواهما فمدّع مفتون . ثمّ تناول مقامات هذا الطّريق ويحدّد قواعد التّدرّج فيها . فالسّالك لا يصحّ له مقام حتّى يرتفع عنه إلى غيره ، ثمّ يشرف عليه ويصحّحه . وفي ذلك يوافق الهروي الجنيد . ثمّ إنّ النّهايات في هذا الطّريق لا تصحّ إلّا بتصحيح البدايات . ويمرّ السّالك عند قطعه هذه المقامات برتب ثلاث : الأولى أخذ القاصد في السّير ، والثّانية دخوله في الغربة ، والثّالثة حصوله على المشاهدة الجاذبة إلى عين التّوحيد .
أراد الهروي في هذا الكتاب أن يرتّب الطّريق الصّوفي في أصوله وفروعه ، وأن يفصّل درجات كلّ مقام من هذه المقامات الّتي يقطعها الصّوفيّة . وبذلك تعرف درجة العامّة منهم ، ثمّ درجة المحقّق . وحصر هذه المقامات في مائة مقام ، مقسّمة إلى عشرة أقسام ، كلّ قسم منها فيه عشرة أبواب ، في كلّ باب ثلاث درجات ، ولكلّ درجة ثلاث حقائق أو ثلاثة أركان أو ثلاثة شروط . ونكتفي هنا بذكر الأقسام ومقاماتها بصفة مجملة ، إلّا القسم الأوّل ، أي قسم البدايات [ ص 8 - 18 ] ، الّذي نذكره ببعض التّفصيل لنضرب به مثلا على البنية والتّرتيب المتّبعين في كلّ قسم من أقسام الكتاب .
1 ) قسم البدايات ، وفيه : 1 - اليقظة ، أي اليقظة من سنة الغفلة والنّهوض عن الفترة . وهي ثلاثة أشياء : لحظ القلب إلى النّعمة مع الإياس من عدّها ، ومطالعة الجناية والتّشمير لتداركها ، والانتباه لمعرفة الزّيادة والنّقصان مع الأيّام وتدارك فائتها وتعمير باقيها ؛ 2 - التّوبة ، وهي لا تصحّ إلّا بعد معرفة الذّنب ، وفي الذّنب ينظر المرء إلى ثلاثة أشياء : الانخلاع عن المعصية حين إتيانه ، والفرح به عند الظّفر به ، والقعود عن الاصرار عن تداركه مع يقين العبد من نظر الحقّ إليه . وللتّوبة شرائط ثلاثة : النّدم ، والاعتذار ، والاقلاع ؛ 3 - المحاسبة ، ويسلك طريقها بعد العزيمة على عقد التّوبة ،