القدامى يصنفونه ضمن أهل الحديث ، لمقابلته بأهل الرأي نعني الحنفية . إلا أن رواية ابن خلكان واليافعي حول ندم مالك ، في أخريات عمره ، على استعمال رأيه ، تساهم في الشك في صحة هذا التصنيف . وقد اختلف الباحثون في هذه المسألة ، ويبدو أن ما انتهى إليه الشيخ الفاضل ابن عاشور هو الأقرب للصواب . فقد استنتج أن الرأي معمول به لدى المذاهب السنية الأربعة ، لكن مع اختلاف في اتساع دائرته لديها . ويتزعمها في ذلك المذهب الحنفي ويليه المذهب المالكي ثم المذهب الشافعي وأخيرا المذهب الحنبلي .
على أن اعتماد مالك على الرأي يظهر بصفة واضحة في ميدان الفقه ، بخلاف ما يخص المسائل العقدية . فقد أظهر في هذا الشان تمسكا واضحا بظاهر النصوص وبأقوال السلف . وعلى هذا الأساس ، فيما يبدو ، ذكر ألفراد بل أن المذهب المالكي هو الأكثر تمسكا بالشكليات من بين المذاهب الأربعة .
عرف مالك من جهة أخرى بثباته على الحق ، وصرامته في إقامة الحدود . فقد هدد مالك ، والي المدينة ، بعدم التكلم في العلم في صورة عدم ضرب عنق رجل قتل أخاه وأخذ ثوبه بمحضر أبويه اللذين طلبا العفو . كان أيضا شديد الورع في الإفتاء ويكره العجلة فيه . فقد ذكر عبد الله بن أبي حسان اليحصبي أن مالكا سئل « عن اثنتين وعشرين مسألة ، فما أجاب إلا في اثنتين منها » . على أنه لم يتربع للإفتاء إلا بعد أن شهد له بذلك أكثر من سبعين شيخا . أبدى أيضا اعتراضا على ما أطلق عليه الحيل الشرعية ، ورأى فيها منفذا للإفلات من الأحكام الشرعية ، وقد شاطره في هذا المنحى سحنون بن سعيد ناشر المذهب المالكي بالغرب الإسلامي . رفض مالك كذلك الخوض في المسائل الفقهية المبنية على الافتراضات . وقد خالف ، في هذا الشأن ، الأحناف الذين كلفوا بالإجابة عنها متعللين بوجوب الاستعداد للبلاء قبل وقوعه ؛ فيما كان مالك يقول : « دعها حتى تقع » . وقد صد مالك أسد بن الفرات عندما أكثر عليه من التشقيق ، وقال له : « هذه سلسلة ابنة سليسلة ، إن كان كذا ، كان كذا . . . إن أردت هذا ، فعليك بالعراق » . كما يستنتج من بعض الروايات ، أن مالكا كان يحترم من خالفه في الرأي . فقد روي عنه أن الرشيد شاوره أن « يعلق الموطأ في الكعبة ، ويحمل الناس على ما فيه » ، فقال مالك : « لا تفعل ، فإن أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلاد ، وكل مصيب » .
توفي مالك بالمدينة . وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم المعروف بعبد الله بن زينب والي المدينة لهارون الرشيد ، ودفن بالبقيع بالمدينة .
آثاره
1 - « الموطأ » ، وصلتنا منه روايتان كاملتان طبعتا ، واحدة لمحمد بن الحسن الشيباني ، وأخرى ليحيى بن يحيى الليثي سمعها من مالك في سنة وفاته نعني سنة 179 ه / 795 م ، وقد طعن نورمان كالدار في أصالة هذه الرواية وفي صحة نسبتها ، فأحسن ميكلوش موراني الرد عليه . وصلتنا أيضا قطع أخرى من الموطأ نشر بعضها ، مثلا نشر الشيخ محمد الشاذلي النيفر ما وصلنا من رواية علي بن زياد