ابن أنس ، الإمام مالك ( حوالي 93 ه / 712 م - 179 ه / 795 م )
مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث ، الأصبحي ، الحميري ، أبو عبد الله ، إمام دار الهجرة ، المحدث ، الفقيه ، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ، إليه ينسب المذهب المالكي . ولد بالمدينة المنورة في تاريخ غير مدقق يتراوح بين سنتي 90 ه / 708 م و 97 ه / 715 م .
يظهر أنه نشأ في بيت علم إذ نقل الزرقاني أنه ورث العلم عن أجداده . كما ذكر أيضا أن مالكا سمع من تسعمائة شيخ فأكثر ، دون أن تكون له رحلة لطلب العلم . فقد كان ملازما للمدينة . ومن أشهر شيوخه نذكر نافع مولى عبد الله بن عمر ، وربيعة الرأي ، وابن شهاب الزهري ، وابن هرمز ، ونافع القارئ . . . وفي كلمة يمكن القول إن مالكا هو وريث علم المدينة كله ، هذه المدينة التي كانت تمثل عشا للصحابة وللعلماء ، إذ مات بها فيما ذكر مالك « نحو عشرة آلاف وباقيهم تفرق بالبلدان » . وقد ورث فقهاء المدينة السبعة علم هؤلاء الصحابة الذي انتقل بدوره إلى مالك عن طريق كبار شيوخه إذ إن مالكا يقابل جيل تابعي التابعين .
لهذه الأسباب يعتقد مالك وأتباعه في أفضلية المدينة على بقية الأمصار . وقد دعموا موقفهم هذا بأحاديث نبوية ، ومن هنا يأتي أحد الأصول الأساسية في المذهب المالكي وهو إجماع أهل المدينة أو عمل أهل المدينة الذي يقدمه مالك أحيانا على الحديث الصحيح .
ملازمة مالك للمدينة التي توجد على طريق الحج ، ساهمت في توسع شهرته وبالتالي كثرة تلاميذه . كما ذكرت المصادر أنه انتصب لتدريس العلم وهو ابن سبع عشرة سنة واحتاج إليه شيوخه ، وروى عنه الكثير ممن تقدمه أو عاصره ، أو تأخر عنه . وتتلمذ له الأمراء مثل موسى بن المهدي العباسي ، والخلفاء مثل هارون الرشيد . فقد وجه إليه هذا الخليفة ليأتيه فيحدثه ، فقال : « العلم يؤتى » . فقصد الرشيد منزله واستند إلى الجدار ، فقال مالك : « يا أمير المؤمنين ، من إجلال رسول الله ، إجلال العلم » ، فجلس بين يديه فحدثه . كما تتلمذ له مئات الطلبة الذين تقاطروا عليه من كل صوب وحدب ، إلى حد أن بعض المالكية جعلوا محتوى الحديث النبوي التالي يخص مالكا بالذات : « يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم ، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة » .
ومن أشهر من سمع منه من مكة نذكر الشافعي ، ومن العراق محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ، ومن مصر الثالوث المصري الشهير نعني عبد الرحمان ابن القاسم ، وعبد الله بن وهب ، وأشهب بن عبد العزيز ، فيما تجاوز عدد تلاميذه من المغاربة الثلاثين ، نذكر من أشهرهم علي بن زياد التونسي ، وعبد الله بن فروخ ، وعبد الله ابن غانم ، وأسد بن الفرات ؛ كما تتلمذ له