المسلمين أو السعديين أو غيرهم ، بل إنه رفض رئاسة تحرير صحف عرضت عليه في هذا الإطار ؛ ولكنه في المقابل ، كان في شبابه لا يتردد في المشاركة في العمل السياسي الوطني العام . ولقد كانت مشاركته في نشاط ثورة 1919 سببا في عزله من مدرسة القضاء الشرعي التي كان يعمل مدرسا فيها ، وإحالته إلى سلك القضاء ، حيث ظلّ أربع سنوات يتجول في أرجاء مصر قاضيا في محاكمها بين الواحات وقويسنا وطوخ والأزبكية ، وهي فترة كان لها تأثير كبير في اهتماماته وطريقته في تشكيل الرأي وإصدار الحكم . ولقد فكّر خلال تلك الفترة أن يعد دراسة علمية عن « الأسرة المصرية » من خلال ما يقع بين يديه من وقائع وإحصاءات بحكم عمله ، ولكن انتقاله إلى العمل في الجامعة صرفه إلى اهتمامات علمية أخرى ، ومع ذلك فقد ظلت الفكرة كامنة لديه حتّى حرر جانبا منها في صورة كتابه « قاموس العادات والتقاليد المصرية » ، والذي كان يرى أحمد أمين أنه موضوع لم يسبقه أحد بالكتابة فيه ، مع أن كتابات أحمد تيمور عن الأمثال العامية ، وكتاب إدوار وليام لين « المصريون المحدثون » ، عاداتهم وشمائلهم كانت تمهيدا لما قام به .
وانتقل أحمد أمين للتدريس في الجامعة 1926 ، بطلب من طه حسين ، فانفتح أمامه مجال جديد ظل يترقى فيه حتّى اختير عميدا لكلية الآداب بجامعة القاهرة ، دون أن يشغله بريق المناصب عن متعة البحث العلمي وهو ما عبّر عنه عندما استقال من العمادة قائلا :
« أنا أكبر من عميد وأقل من أستاذ » . وكانت فترة العمادة تلك سببا في جفوة بينه وبين طه حسين الذي كان وزيرا للمعارف ، وحاول من خلال موقعه وأياديه على أحمد أمين أن يؤثر عليه في بعض قراراته غير أن مناخ العمل في الجامعة ، هو الذي هيّأ لأحمد أمين مناخ إنجاز أكبر مشروع علمي حققه ، فقد اتفق مع زميليه ، في كلية الآداب ، طه حسين وعبد الحميد العبادي على دراسة تطور الحضارة الإسلامية في العصور المختلفة من ثلاث زوايا : الأدبية ويختص بها طه حسين ، والتاريخية ويهتم بها العبادي ، والعقلية ويدرسها أحمد أمين ، وكان هذا الاتفاق بداية لموسوعته الكبرى عن « فجر الإسلام » و « ضحى الإسلام » و « ظهر الإسلام » و « يوم الإسلام » في تسعة مجلدات كبيرة ، استحوذت على إعجاب الباحثين والقراء في مجال الحضارة الإسلامية منذ 1928 تاريخ إصدار المجلد الأول منها « فجر الإسلام » حتّى اليوم ، مع أن زميليه لم ينجزا شيئا يكاد يذكر من نصيبهما في الاتفاق .
والواقع أن أحمد أمين ، الذي كان على مشارف الأربعين حين بدأ في تحرير هذه الموسوعة ، قد استطاع أن يوظّف مجمل خبراته الثقافية التراثية والحديثة في لمّ شتات مئات القضايا العقلية والفلسفية والتاريخية والمذهبية والفقهية والأدبية التي كانت متناثرة في كتب المصادر ، أو خاضعة لمعالجات جزئية في كتب بعض الدارسين من المستشرقين الذين قرأ لهم وتأثر بمناهجهم في التصنيف والتبويب والمعالجة ، ووجهت إليه في بعض الأحيان شبهة التأثر ببعض أحكامهم دون أن يمنع ذلك من شهادة جمهرة المثقفين
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 381
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٨١