عن موضوع الدرس إلى موضوع آخر اجتماعي أو ديني أو سياسي فيعرض آراءه ويستمع إلى محاولتي ، وقد أثر فيّ تأثيرا كبيرا من ناحية تحكيم العقل في الدين ، فقد كنت إلى ذلك العهد أحكّم العواطف لا العقل . . وهو يأبى إلّا تحكيم العقل ، والبحث عما لا نفهم حتّى نفهم » [ حياتي ، 128 ] .
غير أن الانشغال بهذا اللون من التفكير والمعرفة ، جعل أحمد أمين يحس أنه بحاجة ، إلى جانب ثقافته العربية الإسلامية الراسخة ، للتعرف على الثقافة الأجنبية من خلال تعلّم إحدى لغاتها الأصيلة ، وكان قد درس شيئا من الفرنسية في المدرسة الابتدائية ، لكن حرص والده على متابعته في « الواجبات » الكثيرة لفروع العربية التي ألزمه بها ، لم يدع لعقل الصبي ، فرصة لاستيعاب لغة أخرى ؛ ولقد حاول أن يتدارك الأمر ، بعد تخرجه من القضاء الشرعي وخاض في سبيل تحقيق ذلك ، تجربة جديرة بالإشادة والتقدير ، كان قد أحسّ وهو يؤدي دروس « الأخلاق » أنه في حاجة إلى التوسع في القراءة حول مذكرات أستاذه عاطف بركات ، ومصادرها كلها إنجليزية ، فقرر أن يخوض تجربة تعلّم اللّغة بجهد ذاتي ، على الرغم ، من تنبيه الشيخ الخضري له ، بأن كثيرين في مثل ظروفه ، تحمسوا للتجربة ولم يصلوا إلى نتيجة ، ودلّه صديقه وسميّه « أحمد بك أمين » على كتاب المستشرق ماكدونالد عن الإسلام وأنه سهل العبارة ، فقرر أن يتعلم الإنجليزية من خلال قراءته بمساعدة مدرسة متخصصة ، وتابع المحاولة مع كتاب « الإسلام » للسيد أمير علي ، وخلال التنقل من مدرسة إلى أخرى ، أتيح أن يتأثر بسيّدتين إنجليزيتين ، تحدث عنهما في سيرته ، ساعدته إحداهما ( وهي مس بور ) إلى جانب اللغة في تنمية إحساسه بالذوق الراقي والجمال وكانت رسامة فنانة وكانت تعامله ، كما يقول « معاملة الأم القوية لابن فيه عيوب من تربية عتيقة » ، أما الثانية التي كانت شابة جميلة تقيم مع زوجها في مصر ، فقد لخص أثرها فيه بقوله : « كنت أترقب موعد درسها بشوق ولهفة ، وكانت هذه السيدة ، تغذي عواطفي برقتها وجمالها وكمالها ، كما كانت مس بور تغذي عقلي بثقافتها واطلاعها وتجاربها » [ حياتي ، 129 ] .
وقد تجسدت استفادته من تعلّم الإنجليزية في هذه الفترة ، في الكتاب الذي ألّفه بعنوان « الأخلاق » والكتاب الذي ترجمه عن « رابو بورت » بعنوان « مبادئ الفلسفة » .
وفي موقف مواز لهذا الرافد الثقافي الهام ، الذي استطاع أحمد أمين أن يشيده بدأبه وصبره ، وأن يفيد منه إلى مدى بعيد ، تشكل لديه رافد آخر ، ساعده كثيرا في تطوير شخصيته وتوسيع آفاقه .
وقد تمثل هذا الرافد الأخير ، في جماعة من صفوة المثقفين المصريين من خريجي مدرسة المعلمين العليا ، ممن أهّلهم تفوقهم لأن يرشحوا للإيفاد في بعثات دراسية إلى الخارج ، ولكن قيام الحرب العالمية الأولى 1914 ، أوقف إيفادهم ، ودفعتهم ظروفهم الموحدة إلى الالتقاء والحوار في مقهى ثقافي بالقاهرة وهم ينتمون إلى تخصصات مختلفة كالتاريخ والأدب الإنجليزي والكيمياء والرياضة والفيزياء ، وانضم إليهم أحمد أمين ، في لقاءات انتظمت مواعيدها ، ونقاشات
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 379
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٧٩