وقد ساعدته الدروس التقليدية التي كان قد تلقاها على يد أبيه ، في تحمّل صعوبة المواد التي تطرح على الطلاب ولكنّه مع ذلك لم يسعد كثيرا بنظام الدروس ولا بحياته في الأزهر فيما عدا درسين سمعهما للإمام الشيخ محمد عبده يقول عنهما : « سمعت صوتا جميلا ، ورأيت منه منظرا جليلا ، وفهمت منه ما لم أفهم من شيوخي الأزهريين ، وندمت على ما فاتني من التلمذة عليه ، واعتزمت أن أتابع دروسه ، ولكن كان هذان الدرسان ( هما ) آخر دروسه رحمه اللّه » [ حياتي ، 70 ] .
وبعد هذه السنوات الأربع ، التي حاول أحمد أمين خلالها الالتحاق بدار العلوم دون أن ينجح في اجتياز الاختبار الطبي لضعف بصره ، والهرب إلى التدريس في طنطا دون أن يستقر بها إلّا قليلا ، استقر رأيه على أن يترك الأزهر والقاهرة بعد أن اجتاز مسابقة تمكن بعدها من أن يعيّن مدرّسا في الإسكندرية ، حيث قدّر له أن يلتقي بعبد الحكيم بن محمد المدرس الدرعمي الذي قاده إلى آفاق جديدة في الثقافة والحياة . كما يقول أحمد أمين :
« اتصلت به فأعجبني من أول نظرة ، واتخذني أخا صغيرا ، واتخذته أخا كبيرا . . وكان واسع الأفق حر التفكير . . يؤكد الشيخ محمد عبده في دعوته إلى الإصلاح ، وكان مكمّلا لنقصي موسعا لنفسي ، مفتحا لأفقي . . كنت لا أعلم إلّا الكتاب فعلمني الدنيا التي ليست في كتاب . ولئن كان أبي هو المعلم الأول لي فقد كان هذا الأستاذ هو المعلم الثاني [ حياتي ، 81 ] .
لقد اتسع تفكير أحمد أمين في الإسكندرية ؛ لينتقل من استيعاب الكتب واستظهارها إلى التأمل في الواقع حوله ، ومحاولة التعلّم منه والمشاركة فيه ، وجاءت 1906 وهو في الإسكندرية لكي تقع أحداث « دنشواي » فتشده من مجرد الاهتمام بوقائع التاريخ إلى مجريات الحاضر ، ويعود إلى القاهرة في العام التالي ، مدرسا في المدرسة التي كان تلميذا بها أول عهده بالتعليم ، ولعل ذلك فتح شهيته لمواصلة الدراسة التي اضطربت مسيرتها لديه من قبل ، وسنحت الفرصة عندما أعلنت مدرسة القضاء الشرعي 1907 عن إجراء مسابقة لاختيار مجموعة من الطلاب يلتحقون بها من نابغي أبناء الأزهر بعد امتحان عسير [ البيومي ، 10 ] . وتقدم الفتى للامتحان فكان من أوائل من اجتازوه والتحق بالمدرسة التي قدر له أن ينتسب إليها خمسة عشر عاما ، طالبا نابها أو معيدا مجتهدا ، أو محاضرا ناجحا ، أو مؤلفا واعدا ، وكانت طبيعة الدراسة متنوعة بين العلوم الشرعية والقانونية والفلسفية والحديثة فتفوق الطالب في كل الفروع ، وكان من أوائل من رشحهم ناظر المدرسة عاطف بركات ، لكي يلقي محاضرة عامة على زملائه الطلاب لاقت النجاح والرضا [ حسين أحمد أمين ، في بيت أحمد أمين ، 11 ] .
ثم كان أن اختير عقب تخرجه متفوّقا في المدرسة ، معيدا بها ، يعمل تحت إشراف عاطف بركات - الشخصية المحورية في حياته - في إعداد دروس علم الأخلاق ، وهو الإعداد الذي جعله يطيل الجلوس إلى الأستاذ ويخالطه في عمله وبيته ويتأثر به تأثرا كبيرا ، يقول عنه أحمد أمين : « كنا نتناقش في الدروس قبل إلقائها وأحيانا يجرنا الحديث
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 378
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٧٨