تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
اليمن ، اعترافا بدوره الرائد ووصفه في مكانه الصحيح ، ويتمثّل دوره الريادي هذا في أنه كان أول شاعر من اليمن استوعب الموجة الرومانسية في الشعر العربي الحديث ، وأسهم في نشرها على النطاق المحلّي ، متجاوزا بذلك النشر الحساسيات التقليدية وما كانت تثيره من ردود أفعال رافضة لكل ما هو جديد وغير مألوف ، سواء في المضمون أو في الشكل أو فيهما معا . ونحن نعتقد أنّ لطفي جعفر أمان لم يكن مقلّدا في نزعته الرومانسية - وإن كان قد تأثر في بداية رحلته الشعرية بأساليب البارزين من شعراء النزعة الرومانسية ، ولم يكن شعره الرومانسي تعبيرا عن نزعة فردية أو ناتجا عن احباطات خاصّة ، بل كان استجابة للواقع وتعبيرا عن شعور جماعي وعن إحباطات عامة . فقد نما وعيه في مدينة عدن مسقط رأسه وهي أكبر الموانىء اليمنية . والعاصمة التاريخية الثانية لليمن وأسرع المدن فيها التقاطا للجديد والتبشيرية . وتلقى لطفي جعفر أمان تعليمه العام في هذه المدينة المتجددة ، مستفيدا من مظاهر التجديد النسبي الذي أدخلته إدارة الاحتلال على التعليم بقصد تدريب بعض الكفاءات الوطنية - في حدود معيّنة - للمشاركة في بعض الأعمال المكتبية التربوية . كما أكمل دراسته الجامعية في الخرطوم ، ونال قسطا من الدراسة العالية في لندن . وبذلك أتيحت له الفرصة - رغم أنّ دراسته كانت في مجال التربية - للاطّلاع والتعرّف - من خلال اللغة الإنجليزية على روائع الأدب الإنجليزي في أصوله وبلغته ، وهي ميزة لم تتوفّر لكثير من الشعراء الرومانسيين العرب الذين قرأوا جزءا من هذا الأدب مترجما إلى لغتهم بعد أن أفتقدته الترجمة قدرا من جمالياته وروعة إيحائه . وقد نهل لطفي من الرومانسيين في الشعر الإنجليزي ، وقرأ مختارات من الأدب الإنجليزي القديم والحديث ، وكان وثيق الصلة بالأدب العربي قديمه وحديثه ، لكن إعجابه ظلّ مقصورا على شعراء الموجة الرومانسية الحديثة ، وقد ترك هذا الإعجاب على أشعار لطفي الأولى آثارا يصعب نكرانها ، سواء من حيث المضامين أو من حيث الأسلوب الغنائي ، والمعجم الشعري بمفرداته المنتقاة أو في عناوين قصائده ودواوينه . لقد نجح ديوانه الأول « بقايا نغم » في تقديمه شاعرا رومانسيا بامتياز . وكانت قصائده الأولى المعبّرة عن هذا الاتّجاه تثير إعجاب القارئ وتضعه في إطار تجربة لا سابق لها في الشعر السائد - محليا - يومذاك :
أنا سرّ في عالم الغيب مستعص * عن الفهم جوهرا وصفات أنا معنى مغلّق في ضمير الدهر * مستغلق لكل حصاة أنا همس يذوب في صخب الأيام * لو تسمع النهى كلماتي أنا ناي السماء أنكره الفن * فأضحى معطّل الكلمات أنا في مهجة الشقا جراحات * أفاقت مع الضنى داميات أنا زهر يرف في الصخر ظمآن * وريّ الزهور من عبراتي