إمام الحرمين وعمره ثماني عشرة سنة ، ولازمه حتّى برع في الفقه والأصول والخلاف ، وطار اسمه في الآفاق ، وكان هو والغزالي والخوّافي أكبر تلامذته ومعيدي درسه ؛ ثم خرج إلى بيهق ودرّس بها عظيم الجاه ، رفيع المحل ، إلى أن توفي بها سنة أربع وخمسمائة للهجرة وعمره أربع وخمسون سنة [ الأسنوي ، طبقات الشافعية ، ج 2 ، ص 293 ] .
حدث عن أبي علي الحسن بن محمد الصفار ، وزيد بن صالح الأملي ، وجماعة ، وروى عنه سعد الخير ، وعبد اللّه بن محمد ابن غالب وأبو طاهر السّلفي [ الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 19 ، ص 350 ] .
وتعتبر الفترة التي قضاها بنيسابور ملازما لإمام الحرمين الجويني مواظبا على الإفادة والاشتغال من أهم المراحل العلمية في حياته .
قال إلكيا متحدثا عن نفسه : « كانت في مدرسة سرهنك بنيسابور قناة لها سبعون درجة ، وكنت إذا حفظت الدرس ، أنزل القناة وأعيد الدرس في كل درجة ، مرة ، في الصعود والنزول ، قال : وكذا كنت أفعل في كل درس حفظته » وكان يحفظ الحديث ويناظر فيه ، وهو القائل إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرياح » [ السبكي ، طبقات الشافعية الكبرى ، ج 7 ، ص 232 ] .
وكان الجويني يقول في تلامذته إذا ناظروا :
التحقيق للخوافي والجريان للغزالي والبيان لإلكيا الهرّاسي [ الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 19 ، ص 350 ] .
حدث الحافظ أبو طاهر السلفي قال :
« استفتيت شيخنا إلكيا الهراسي : ما يقول الإمام وفقه اللّه تعالى في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء ، أيدخل كتبه تحت هذه الوصية أم لا ؟ فكتب الشيخ تحت السؤال :
نعم ! كيف لا وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه اللّه يوم القيامة فقيها عالما » . وسئل إلكيا أيضا عن يزيد بن معاوية ، فقال إنه لم يكن من الصحابة لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . وأما قول السلف ففيه لأحمد قولان تلويح وتصريح ، ولمالك فيه قولان تلويح وتصريح ، ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح ، ولنا قول واحد تصريح دون التلويح . وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد ، والمتصيّد بالفهود ، ومدمن الخمر ، وشعره في الخمر معلوم ؟ ومنه قوله :
أقول لصحب ضمت الكأس شملهم * وداعي صبابات الهوى يترنّم
خذوا بنصيب من نعيم ولذة * وكلّ وإن طال المدى يتصرّم
وكتب فصلا طويلا ثم قلب الورقة وكتب : « لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل » . وقد أفتى الغزالي بخلاف جواب إلكيا ، وتضمن جوابه أنه وإن غلب الظن بقرائن حاله أنه رضي قتل الحسين أو أمر به ، فلا يجوز لعنه ويجعل كمن فعل كبيرة [ ابن العماد الحنبلي ، شذرات الذهب ، ج 4 ، ص 8 ] .
ومن غريب ما اتفق له أنه أشيع أن إلكيا باطني يرى رأي الإسماعيلية ، فنمت له فتنة هائلة ، ونزع منه التدريس وأراد السلطان