أنه ربّما كان له عناية بالمنطق والفلسفة وما إليها من علوم كانت مثارا للريبة .
ومنذ أن عاد الهدوء والسلام إلى قرطبة بعد أن استقرّ الحكم فيها لبني جهور في سنة 422 ه / 1031 م ظلّ الإفليلي مشتغلا بالتدريس حتّى وفاته في يوم السبت 13 من ذي القعدة سنة 441 ه / أبريل 1049 م وهو مرموق المكانة ، فقد صلّى عليه حاكم قرطبة محمد بن جهور ، وكانت جنازته حافلة .
ويدلّ على ما خلفه الرجل من طيب الذكر ما وصفه به ابن باشكوال في ترجمته له ، إذ يقول : « كان حافظا للأشعار واللغة ، عظيم السلطان على شعر حبيب الطائي ( أبي تمام ) والمتنبي كثير العناية بهما . . . ذاكرا لأخبار الناس . وكان عنده من أشعار أهل بلده قطعة صالحة . وكان أشد الناس انتقاء للكلام ومعرفة بدائعه . . صادق اللهجة ، حسن الغيب ، صافي الضمير ، حسن المحاضرة ، مكرما لجليسه » .
كما يدل على منزلته العلمية ذلك العدد الكبير من تلاميذه الذين أصبحوا من أعظم علماء الأندلس ، وفي مقدّمتهم أبو مروان الطبني ( ت 457 ه / 1065 م ) ، والأعلم الشنتمري ( ت 476 ه / 1083 م ) ، والعز بن محمد بن بقنّه ( ت 488 ه / 1095 م ) ، وعبد الملك ابن سراج ( ت 489 ه / 1096 م ) ، والراوية أبو الخطاب بن حزم الذي أكثر من الثناء عليه وأبو بكر الخطيب البغدادي .
والذي يلفت النظر في حياة الإفليلي أنّ أكثر اشتغاله كان بالتدريس ، على حين كان مقلا في التأليف ، فابن حيان يقول : « وما بلغني أنه ألف في شيء من فنون المعرفة إلّا كتابه في شعر المتنبي لا غير » . وهو يعني شرحه لديوان أبي الطيب الذي أجمع من عرفوه على أنه من أفضل شروح هذا الديوان ، وتكفينا في ذلك شهادة الإمام أبي محمد ابن حزم الظاهري الذي وصفه بأنه « حسن جدا » . ويقال إن الأعلم الشنتمري تلميذ أبي القاسم هو الذي أعان أستاذه في هذا الشرح . وعلى الرغم من ثناء ابن حزم على الكتاب كما رأينا فإنه لم يخله من نقد كما ينص على ذلك أبو الحسن النباهي المالقي ( توفي في أواخر القرن الثامن الهجري ) الذي يضيف أنّ أحد أسلافه وهو عبد الله بن أحمد بن الحسن النباهي تلميذ الإفليلي وقاضي الجزيرة الخضراء ألف ردّا على ابن حزم فيما انتقده على الإفليلي في شرحه لشعر المتنبي ، غير أنّ ما كتبه ابن حزم ورد النباهي عليه لم يصل إلينا .
والذي وصل إلينا هو ذلك الشرح في عدد من المخطوطات أحصاها بروكلمان في كتابه ، وهي في برلين ، وخزانة القرويين في فاس ، والمتحف البريطاني ، والخزانة العامة في الرباط . ومن المؤسف أن هذا الشرح الجليل لم يحقق بعد .
وأهم ما قام به الإفليلي من نشاط هو روايته لعدد كبير من كتب اللغة ومن دواوين الشعر القديم ممّا قدم به إلى الأندلس أبو علي القالي . نذكر من ذلك ديواني أبي الطيب وأبي تمام وكتب الشعر والأخبار التي عددها ابن خير الإشبيلي مما قدم به القالي وشرح غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام ، وكتاب الأمثال له أيضا ، وهو الذي سيقوم بشرحه أبو عبيد البكري ، ومن كتب ابن قتيبة شرح غريب الحديث ، وإصلاح الغلط الواقع في غريب
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 217
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢١٧