الإفليلي ، أبو القاسم إبراهيم بن محمد ( 352 ه / 963 م - 441 ه / 1049 م )
أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري القرطبي المعروف بالإفليلي أو ابن الإفليلي ، من ذرية الصحابي المعروف سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنه ، وزير من أئمّة اللغة والأدب في الأندلس . والنسبة التي اشتهر بها إلى قرية من قرى الشام كان يقول إنّ أسلافه كانوا يقيمون بها . ولد في قرطبة في شوال 352 ه / نوفمبر 963 م ، ولا نكاد نعرف شيئا عن صباه وشبابه ، ولكن المؤكّد أنه لم يرحل إلى المشرق في طلب العلم كما كانت عادة الأندلسيين في العصور السابقة ، إذ كانت الأندلس خلال النصف الثاني من القرن الرابع الهجري قد بلغت مستوى عاليا من الرقي الثقافي والعلمي بفضل الخليفة العالم الحكم المستنصر والحاجب المنصور بن أبي عامر وابنه المظفر ( حكموا بين سنتي 350 و 399 ه / 962 و 1008 م ) ، وكانت الأندلس قد بلغت في ظل هؤلاء أوج عظمتها السياسية والاقتصادية ، كما كانوا من أكثر حكام المسلمين تشجيعا للحركة الثقافية وإغداقا على العلماء في كل مجالات المعرفة ، حتّى لم يعد الأندلسيون بحاجة لطلب العلم خارج حدود بلادهم . ونعرف عن الإفليلي أنه تلقى العلم عن جماعة من كبار المحدثين واللغويين في طليعتهم أبوه ، والفقيه المحدّث يحيى بن عبد الله الليثي ( ت 367 ه ) ، ويحيى بن مالك بن عائذ ( ت 375 ه ) الذي كان قد جمع في رحلته المشرقية من الكتب ما لم يجتمع لأحد ، وكان مجلسه في قرطبة من أحفل مجالس العلم ، والقاضي عبد الله بن محمد قاسم الثغري ( ت 383 ه ) ، وأبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي ( ت 379 ه ) ، وأحمد بن أبان ابن سيد ( ت 382 ه ) ، والحسين بن الوليد بن العريف ( ت 390 ه ) وأحمد بن عبد العزيز ابن أبي الحباب ( ت 400 ه ) ، وهؤلاء الأربعة الأخيرون كانوا أبرز تلاميذ أبي علي القالي البغدادي ( ت 356 ه / 966 م ) الوافد على الأندلس والذي أوجد في هذه البلاد نهضة بعلوم اللغة والنحو والأدب لم يسبق لها مثيل من قبل . وتصدّر ابن الإفليلي للتدريس منذ أوائل القرن الخامس الهجري .
ويقول عنه المؤرّخ أبو مروان بن حيان في وصف مكانته العلمية إنه « بذّ أهل زمانه بقرطبة في علم اللسان العربي والضبط لغريب اللغة في ألفاظ الأشعار الجاهلية والإسلامية والمشاركة في بعض معانيها » ، على أنّ ابن حيان لا يخله من نقد ، إذ يقول على أثر ثنائه عليه : « وكان غيورا على ما يحمل من ذلك الفن ، كثير الحسد فيه ، راكبا رأسه في الخطأ البيّن إذا تقلّده أو نشب فيه ، يجادل عليه ، ولا يصرفه صارف عنه ، وعدم علم العروض ومعرفته مع احتياجه إليه ، وإكمال صناعته به ، فلم يكن له شروع فيه » .