وعلى الرغم من نشوب الفتنة المعروفة بالبربرية والحروب الأهلية المبيرة التي اجتاحت قرطبة وانتهت إلى إلغاء الخلافة الأموية على مدى نحو ربع قرن ( من سنة 399 ه إلى 422 ه / 1008 - 1031 م ) فإن الإفليلي لم يغادر قرطبة طلبا للأمان كما فعل كثيرون غيره ، بل كانت له بعض المشاركة في الأحداث السياسية الدائرة في حاضرة الأندلس ، فقد تقرّب إلى خلفاء دولة الحموديين العلويين الذين حكموا الأندلس عدّة سنوات ( بين 407 و 414 ه / 1016 - 1023 م ) ، فنوهوا به ورفعوا من شأنه ، وولاه يحيى بن علي بن حمود الكتابة واتّخذه من خاصيته . ولما دالت دولة الحموديين وولي الخلافة محمد بن عبد الرحمن المستكفي بالله ( بين 414 و 416 ه / 1023 و 1025 م ) عهد إليه هذا بديوان الكتابة وقلده الوزارة .
غير أنه لم يوفّق في هذا العمل . يقول عنه ابن حيّان : « فوقع كلامه جانبا من البلاغة ، لأنّه كان على طريقة المعلّمين المتكلّفين ، فلم يجر في أساليب الكتاب المطبوعين ، فزهد فيه » ، وهو حكم صحيح ، إذ لم يحتفظ أي مصدر أندلسي بشيء من رسائله . ومن هنا كان أيضا هدفا لسخرية لاذعة من جانب أبي عامر بن شهيد الذي يكرر حكم ابن حيان إذ يقول :
« ومن العجب أيضا في أمره أن كل كاتب كتب للسلاطين عندنا وكل شاعر مدحهم رويت أشعاره ورسائله غير أبي القاسم وحده .
على أنه إنّما جلس للتعليم على هذا المعنى وربّما عرّض بأن يؤخذ منه شيء من أشعاره ورسائله ولا يجيبه تلميذ ، والمحروم محروم ! » . وبالغ ابن شهيد في رسالته « التوابع والزوابع » في تهكّمه من الإفليلي ، فتخيّل تابعه « جنّيّا أشمط ربعة وارم الأنف يتظالع ( أي يصطنع العرج ) في مشيته ، كاسرا لطرفه وزاويا لأنفه » ( معرّضا بكبر أنفه وبخيلائه ) ، ولهذا فقد جعل اسم هذا التابع « أنف الناقة » . ومع ذلك فإن ابن شهيد على الرغم من هذه السخرية لم يخل غريمه من حكم منصف ، إذ يورد في إحدى رسائله وهو يتحدّث عن تلميذ له قرطبي كان يعلمه صناعة الشعر : « ورآني أستعمل وحشي الكلام في مواضعه ولم يشعر بحسن الوضع ، فاستعمل شيئا منه وعرضه عليّ فقلت : استره . فقال : تبخل عليّ به ؟
وعرضه على الإفليلي ، فقال له : تنكّب هذا الكلام . فقال له : إن أبا عامر يستعمله . فقال :
يضعه في موضعه ، وهو أدرب منك في استعماله » . وهكذا نرى أن الخصومة بين الرجلين لم تمنع أبا القاسم من إنصاف ابن شهيد .
ويشير ابن حيان إلى حدث آخر وقع للإفليلي في عهد الحاجب عبد الملك المظفّر بن المنصور بن أبي عامر ( بين سنتي 392 و 399 ه / 1002 - 1008 م ) ، إذ يقول إنه « لحقته تهمة في دينه . . . في جملة من تتبّع من الأطباء في وقته كابن عاصم البباسي والحمار ( سعيد بن فتحون السرقسطي ) وغيرهما ، وطلب ابن الإفليلي وسجن بالمطبق ثم أطلق » . وبهذه المناسبة هجاه الشاعر موسى بن الطائف بأبيات اتّهمه فيها بالزيغ والتعطيل والتطاول على القرآن الكريم ، وحرض الحاجب المظفر على التنكيل به ، ولم تفدنا المصادر بما يعين على حقيقة هذه التهمة ، غير أن إقحامه في زمرة الأطباء والمشتغلين بعلوم الأوائل يدل على
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 216
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢١٦