أشعر الناس ؟ فقال : أشاعر بعينه أم قبيلة ؟
قالوا : بل قبيلة ؟ قال : الزرق من بني قيس بن ثعلبة ويضيف الأصفهاني أنّ « هذا الحديث يروى أيضا عن غير حسان » .
في هذه البيئة الشاعرة الأصيلة ، وفي إقليم « اليمامة » الخصب الثري الذي كانت تقطنه عشيرة الأعشى والذي كان مشهورا بالقيان ومجالس الأنس والشراب ، وبخاصة بعد أن خرج بشر بن عمرو بن مرثد - شاعر جاهلي قديم من بني قيس بن ثعلبة - من الحيرة هربا من النعمان ، إلى اليمامة ، ومعه هريرة وخليده [ الأغاني ، 8 / 77 ] . ومن المسلم به أن هاتين القينتين - بالإضافة إلى « قتيلة » كنّ وراء غرام الأعشى بالغناء وشغفه بالقيان [ القيان والغناء ، 52 - 53 ] - أقول : في إقليم هذا شأنه ، وفي قرية من قراه تسمّى « منفوحة » ، ولأب - وهو قيس بن جندل - كان يدعى قتيل الجوع ، لأسباب [ الشعر والشعراء ، 159 ؛ الأغاني ، 9 / 108 ] . ولد الأعشى في تاريخ لم يحدده الرواة . وإن ذهب بعض المحدثين إلى أنه ولد سنة 565 م [ تاريخ التراث العربي ، 2 / 40 ] دون دليل ، وبعضهم بناء على أدلّة تاريخية وفنّية مقبولة [ مقدمة ديوان الأعشى ، 6 ، تحقيق مهدي ناصر الدين ] . يرى أنه ولد قبيل العام الثالث والسبعين قبل الهجرة وهو ما أخذت به .
هذا ، ولم يحفظ لنا التاريخ شيئا عن نشأة الأعشى وثقافته ، غير أنه كان تلميذا وراوية لخاله المسيّب بن علس ، وهو من شعراء بكر ابن وائل المعدودين [ الشعر والشعراء ، 100 ] .
أما عن ثقافته التاريخية الواسعة وثقافته اللغوية العريضة التي يعدّ من أبرز مظاهرها كثرة الألفاظ الدخيلة في ديوانه ، ولا سيّما الفارسية ، إلى غير ذلك من الثقافات ، فقد حصل عليها من كثرة أسفاره [ مقدمة د . محمد حسين لديوان الأعشى ، ص ش ، ت ] .
هذا كما يكشف لنا عن بعض الدعائم الأخلاقية الكريمة التي نهضت عليها تربيته ، ومنها وصيّة أبيه لهم بإكرام الضيف ، والحفاظ على الجار ، والدفاع عن الوطن ضدّ النفوذ الأجنبيّ ( ق / 62 ، ب : 4 - 7 ) .
أمّا عن صفاته وأخلاقه فلقد لقب شاعرنا بالأعشى لضعف بصره ، ولكن هذا العشا آل أخيرا إلى عمى [ الشعر والشعراء ، 161 ] .
وتقرئنا بعض الروايات [ الأغاني ، 9 / 121 ] أنّ الأعشى قد تزوّج امرأة من عنزة ، فلم يرضها ، فطلّقها . كما يكشف لنا شعره ( ق / 2 ، ب : 16 ) عن أنه كان مزواجا . ولكنه لم يقدّم لنا من عقبه سوى « بصير » ( ق 66 / ، ب / 3 ) على رأي أحد الباحثين [ مقدمة مهدي ناصر الدين لديوان الأعشى ، 6 ] ، وابنة له لم يذكر اسمها ، ( ق 4 / ، ب : 51 - 55 ) .
كما تقرّر بعض الروايات [ الأغاني ، 9 / 116 - 117 ] أنّ الأعشى كان « كريما سخيا » ، لا يبخل على صحبه ورفاقه من الندماء ، يجتمعون إليه في منزله فيأكلون ويشربون الخمر . ولكن هذا الكرم ليس وقفا على الرفاق فحسب بل يؤكّد شعره ( ق 10 / ، ب :
25 - 27 ) أنه كان كريما مع أهله وأقربائه ، حليما عفوّا متغاضيا عن هنات المولى وسوءات الصديق ( ق 82 ، ب : 15 - 18 ) محافظا على حقوق الجار ( ق / 8 ب : 54 - 55 ) ؛ مراعيا أحوال اليتيم ( ق / 60 ب : 8 - 9 ) وفيّا بوعده ( ق 66 ، ب : 12 - 14 ) ، محبّا لقبيلته ( ق 14 ، ب : 14 - 15 ) مدافعا عنها
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 175
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٧٥