الصدد : « ومن جملة سعادة حنين صحبة حبيش له ، فإنّ أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين . وكثيرا ما يرى الجهّال شيئا من الكتب القديمة مترجما بنقل حبيش ، فيظنّ الفرد منهم أنّ النّاسخ أخطأ في الاسم وغالب على ظنّه أنّه حنين وقد صحّف فيكشطه ويجعله حنينا » [ أخبار الحكماء ، ص 177 ] .
وكانت الترجمة في مدرسة حنين على مرحلتين ، يقوم هو بتنفيذ المرحلة الأولى منها ، وهي من اليونانية إلى السريانيّة ، ويتولّى بعد ذلك أعضاء مدرسته - وعلى رأسهم إسحاق بن حنين ، وحبيش بن الحسن - تنفيذ المرحلة الثانية في الترجمة ، وهي من السريانية إلى العربية ، وبجهود هذه المدرسة في الترجمة عرف أرسطو ، في العالم خاصة وأنّ مولّفات أرسطو ، كما يقول أوليري ، كانت معروفة في اللّغة السريانية ، ومعها شروح وملخّصات بعضها مؤلّف بالسريانية ، وترجم بعضها الآخر عن اليونانية .
وإذا كانت حركة الترجمة عبر تاريخها الممتدّ من القرن السابع إلى القرن العاشر الميلادي تألّق فيها كوكبة غفيرة من النقلة ممّن ينتمون إلى جنسيّات وأديان مختلفة - ضمّت العربي ، والفارسي ، والهندي ، والمسلم ، والمسيحي ، واليهودي ، والمجوسي ، والصابئ - فقد كان أكثر النقلة من السريان ، ويتصدّرهم في الكفاءة والإتقان حنين بن إسحاق وابنه إسحاق ، وحبيش بن الحسن الأعسم ، هذا فضلا عن ثابت بن قره وقسطا بن لوقا البعلبكي ، ويعقوب بن إسحاق الكندي .
وكما تذكر المصادر المختلفة ، فالنقلة السريان هم أعظم طبقات النقلة في العدد والإنتاج ، وكانوا ينقلون العلوم اليونانية بدقّة وأمانة فيما لم يمسّ الدين كالمنطق والطبيعة والطبّ والرياضة . أما الإلهيات ونحوها فكانت تعدّل وما يتفق والمسيحيّة . وقد سلك المسلمون نفس هذا المسلك ، إذ أغفلوا من الإلهيّات كثيرا مما يخالف تعاليم الإسلام [ أحمد أمين ، فجر الإسلام ، ص 131 ] .
ومما يذكر عن حبيش وخاله حنين بن إسحاق وولده وثابت بن قرّة في هذا المجال أنّهم كانوا مثالا للأمانة والنزاهة ودقّة الترجمة ، واشتهروا بصدق النظر ، وسعة المعرفة ، واستقامة الأخلاق . وكانوا يهملون الترجمة التي يجدونها غير مرضية لهم ، وينقدون ترجمة ابن البطريق ، ويحلّون محلّها ترجمة حنين ، والأمر كذلك بالنسبة إلى تراجم المجسطي ، فقد أهمل العديد منها ، ولم يبق سوى ترجمة حنين وإصلاح ثابت بن قرة [ رشيد جميلي ، حركة الترجمة في المشرق الإسلامي في القرنين الثالث والرابع للهجرة ، ص 46 - 47 ] .
أما عن طريقه حنين بن إسحاق وأتباعه - ومنهم حبيش بن الحسن الأعسم - في الترجمة ، فقد كانت هي الطريقة السائدة في عصره ، إذ كانت تترجم الأسماء كما يطوّعها لسان المترجمين العرب للنطق ، وأحيانا كثيرة كان حنين يتصرّف في الترجمة ، فكان يورد ما ليس له نظير عند العرب بأسماء أخرى ، كأن يقول عن الممثلين ، أنّهم اللاعبون ، أو أن يورد أسماء آلهة اليونان على أنّها أسماء الملائكة عندهم ، وقد يترجم أسماء الحيوانات والطيور المعروفة ، فإذا لم يجد لها ترجمة يوردها كما هي حتّى وإن جهلها القارئ ، ولم يعرف مقصده منها ؛ بل كثيرا ما يختصر العبارة أو يضمّ العبارتين والثلاث معا
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 164
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٦٤