نفسه ، فقد خلّف روايته « العصاة » ( 1964 ) ومجموعته « الله والفقر » ( 1971 ) ، وضمت ثلاث قصص .
تعد رواية « العصاة » من أوائل الروايات الانسيابية في سورية ، إذ بنيت أحداثها وفق سيرورة الوقائع التاريخية في تواصل الأجيال ، وهي تسير في مسرى التاريخ الحديث في بلاد الشام أواخر العهد العثماني حتى أواخر الاحتلال الفرنسي لسورية من خلال حياة عائلة بأجيالها المتعاقبة خلال أكثر من قرن من الزمن .
بدأت الرواية بالأب الكبير محمد الحلبية ، وتابعت أحداثها في حياة أولاده وأحفاده ، ولا سيما عدنان وعمران ومديحة . وقد دانت العائلة للسلطان العثماني في زمن محمد الحلبية الذي صار جدا للعائلة ، وتوالت سيرة العائلة ، ومن خلالها سيرة الوطن الناهض إلى الحرية ، جيلا بعد جيل . وتحدد إطار الروائي مع عمران الذي يعاني ذيول النظام الأبوي الذي يخدم مصلحة السلطان العليا دون تمعن في دواعي مجاراتهم لمرضاة السلطان .
نظر والدهم إلى « عصيانهم » لمشيئته التي تخدم مشيئة السلطان ، وصاروا عصاة متمردين ، وتزداد تفاصيل حياة الأولاد والأحفاد تعقيدا وتشابكا مع تعاقب الأحداث التاريخية ، وبرز من خلالها دلالات كثيرة شديدة الحضور التاريخي واشتراطاته الواقعية وهي :
- التعبير الوطني المناضل ضد الاستعمار الفرنسي ؛ - إدانة تواطؤ المتعاونين مع الاستعمار الفرنسي ؛ - وصف التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية ، ولا سيما الوعي القومي وتجلياته بأفضل مما نقرأه في المدونات التاريخية ؛ - الاستناد إلى التواريخ والأسماء والأحداث الواقعية البارزة في تمتين الصوغ الروائي ، مثل الحرب العالمية الأولى عام 1916 ، وثورة الشريف فيصل عام 1919 ، والاحتلال الفرنسي عام 1920 ، والثورة السورية عام 1925 ، وإضرابات عام 1926 ، وحوادث إسكندرون عام 1937 ، وثورة العراق عام 1941 ، وحوادث الاستقلال عام 1945 ، وحرب فلسطين عام 1948 ؛ - العناية بوظيفية السرد وبنية الخطاب الروائي ؛ - غلبة التحليل الفكري والسياسي لأفكار الشخوص على تحليل أفعالها ؛ - اعتمال السرد الروائي ببعض تقانات التحليل النفسي وعناصر تيار الوعي حين يستعمل الراوي الاسترجاع أو التعليق أو ينغمر بفيض الذكريات ؛ - الاستفادة من تقانات الرواية الانسيابية مثل الوقوف عند مفاصل تاريخية محددة تكون إطارا لتتالي حياة الأجيال داخل الأسرة وداخل المجتمع في بلاد الشام ، وثراء السرد الروائي بالنقاشات عن أفكار العصر وأخلاقياته إذ نقرأ باتساع التشكلات الفكرية داخل تشكلات السرد ، والكشف عن الصعود الطبقي للطبقة المتوسطة من خلال ضعف الطبقة البرجوازية أو الإقطاعية بتأثير الصراع بين المحافظة والتقليد من جهة والثورية والعمل الوطني من جهة أخرى ، وفيض التناصات المباشرة من حكم وأمثال وموروثات شعبية وأدبية وتاريخية ، والاستفادة من معطيات علم النفس وعلم الاجتماع وتمازجهما بالعقائدية في تصوير الصراعات الدائرة . فقد امتلأ السرد بعامة في الرواية بمجريات التاريخ منظورا إليها بمعطيات جوهر التجربة الوطنية والقومية كقول الراوي على لسان إحدى الشخصيات :
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 659
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٥٩