- « كانوا يرون أنفسهم في مرحلة حاسمة من حياة الوطن كله ، ويشعرون بأن التاريخ قد اختارهم ليكونوا الطليعة المناضلة التي يتلخص كلّ قدرها في كلمة واحدة هي البطولة . وقد درجت على ألسنتهم في تلك الفترة أمثال هذه العبارات الضخمة : عنفوان الحياة ، نداء التاريخ ، إنقاذ الإنسانية ، الثورة المقدسة ، روح الأمة وغيرها » . [ ص 292 ] .
إن رواية « العصاة » من الروايات الهامة في التطور الروائي العربي ليس في سورية وحدها ، بل في أقطار الوطن العربي كلها ترسيخا لاتجاه جديد في الرواية هو الرواية الانسيابية التي تنساب أحداثها وتخييلها المجتمعي مع نهر التاريخ لتنطق بعمق عن دلالات التحولات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية بأفضل من الرواية التاريخية التقليدية بكثير .
بدأت القصة تبحث عن صوتها ، ولكن داخل حنجرة المؤلف ، فكأن أبطال صدقي إسماعيل أسرى المخيلة التي أنجبتهم على الورق ، لا يستطيعون فكاكا إلى الأرض الواسعة حيث أفعالهم وتاريخ البشر . في قصته « قبل السهرة » لا شيء سوى صوت المؤلف سردا وتعليقا ليقول بعد ذلك إن غياب المسؤولية عن حياة الناس لا بد أن يؤدي إلى المأساوي . على أن القصة فرصة لإبداء الرأي أو حوار النفس ، ولجلاء الخلل الداخلي العميق من خلال استظهار الهزيمة الوجودية بوصفها سابقة على الهزيمة التاريخية .
وفي قصته « العطب » على أهمية التصريح في العنوان دلالة على مغزى القصة ، فإن صدقي إسماعيل يوغل بعيدا في تعرية الضمير المنقسم لشخوصه دون أن يتخلى عن نزعة الإخبار محتفظا بموضوعه الأثير : تقليب الخلل الداخلي على وجوهه المختلفة ، فالعطب التاريخي في الروح الإنسانية وإن تزيّا بمظاهر جسدية أو نفسية أو اجتماعية أو سياسية .
إن المهم في أسلوب صدقي إسماعيل هو قوته عندما يحكي القصة معتمدا على نقاوة السرد يتلفع مئزر الحكمة راغبا عن حركة الفن ما دام يصطنع حركته في أبسط التكاليف . وهذا الأسلوب يعفي المؤلف من إرهاق البنية القصصية ويسمح له بالخروج عنها إلى محاكمة العقلية في اختيار التفاصيل وما يناسبها من تفسير : « وهيمنت عليه فكرة واحدة ، كانت تدور حولها جميع أحاديثه ، هي أن الحياة قذرة ، والناس فيها مثل العناكب السامة التي تمدّ خيطانها السوداء للأذى » [ ص 486 ] .
وهكذا ، يتموج الإحساس بحرارة التجربة الإنسانية مع أقوال مؤلفها ، وتصير القصة إلى تجسيد لفكرته في الحياة بفضل عنصر السرد ، إذ يجري الإلحاح عليه باستمرار ، ولعل نفور إسماعيل من تكاليف الأسلوب جعله يؤثر ضميرا واحدا في القصة هو الضمير الغائب مما لا يتيح لحركة القصة أن تتسع إلى ما هو خارج نظر المؤلف وقناعته ، فقد كان ينوب عن الشخوص في التفسير ، ويرى أن السرد يحمل موضوعه مستعينا بالحوار غالبا ، وبالإثارة الخجولة حينا كالذهول والغربة والمحرم الذي يكسر الإيقاع البطيء .
وفي قصة « الله والفقر » يبدو الغموض في منتهى الوضوح إذ يتحول التركيب إلى نقيضه
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 660
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٦٠