ومن أهمّ إضافات أبي عوانة في مجال الرواية تخريجه لكثير من المسانيد المتعلّقة بالسيرة النبوية في كتابه فزاد ذلك في توثيق رواياتها .
كما أنّ عمله في مسنده يعدّ تهذيبا لصحيح مسلم - مع أنه مستخرج عليه - لأنه لم يستوعب فيه تخريج كل ما رواه صاحب الأصل وإنّما اختصره وركز مادة تخريجه على أحاديث العقيدة والفقه التي يحتاج إليها المسلم في عبادته ومعاملاته ، وتكثر الأسانيد العالية في مستخرجه لإدراكه لعدد من شيوخ مسلم كيونس ابن عبد الأعلى ، ومحمد بن إسحاق الصاغاني اللذين أكثر من الرواية لهما .
ولهذه الميزات في مسنده فهرسه ابن حجر مع كتب أصول في الرواية في كتابه اتّحاف المهرة بأطراف العشرة ، واعتمده البيهقي في [ سننه ، 2 / 66 ، 93 ، 141 ، 213 ، 3 / 392 ، 4 / 19 ، 29 ، 207 ، 248 ، 10 / 290 ] . ويكثر ذكره في مجالي الرواية ، والتصحيح والتضعيف ، في كتب التخريج والشروح الحديثية والفقه الاستدلالي . ولما كان أبو عوانة من المتيقظين المتثبتين في الرواية لأنّ الرواة الذين انفرد بهم ليسوا على وجه الاجمال ممّن لا يوثق بهم [ الألباني ، الدرر في مسائل المصطلح ، 120 - 121 ] دأب النقاد في معرض بيان أحوال الرواة على ذكر أنّ الرّاوي ممّن أخرج له أبو عوانة ، وذلك لنظافة أسانيده .
كان أبو عوانة أوّل من أظهر لأهل إسفرايين مذهب الشافعي وكتبه [ السبكي ، طبقات ، 3 / 487 ] وذلك بعد أن اتّصل في مصر بالربيع والمزني وتلقّى عنهما أصول المذهب وبرع في هذا الأمر حتّى صار من أئمّة الشوافع .
ومن آثار خدمته لهذا المذهب انتشاره الواسع في ناحية اسفرايين وكثرة الفقهاء الشافعية الأعيان من أهلها حتّى قال الإمام أبو حفص عمر بن أحمد الصفّار ( ت 553 ه ) قد قيل إن بمقبرة إسفرايين من الفقهاء الشوافع أربعين إماما كل واحد منهم لو تصرّف في المذهب وأفتى برأيه واجتهاده على مقتضاه لكان حقيقا بذلك [ المسند ، 1 / 421 ، تعليق المحقق ] .
ومن شواهد تبريزه في الفروع أن شحن مسنده بآرائه وتخريجاته الفقهية ، ويعدّ هذا الكتاب باعتبار أهمّية تراجمه حجما ونوعية ومضمونا نموذجا متميّزا لشرح الحديث على طريقة التراجم التي كانت سائدة في القرن الثالث كما نراه في الكتب الستة . وهو يسمّي الباب بيانا لأنه يبيّن في ترجمته مجمل متعلّقاته الفقهية ثم يورد الأحاديث التي تصلح دليلا على ذلك في أصل الباب .
وتوسّع في الاستشهاد بالمتون على المسائل الدقيقة وفيه من هذا الضرب ما لا يوجد في غيره وله اهتمام كبير بتكثير أبواب المسائل وتفريعها المفصّل المبتكر مع دقة العبارة وقوة الاستدلال وحسن صياغة القضايا ووضوح الفكرة ووفرة المعاني الشرعية والدينية في التراجم التي بلغت مادّتها خمس حجم المسند أو أكثر .
وفي الترجمة يلخص بتركيز فقه الباب بأسلوب مباشر ، وهو متميّز في هذا المضمار عن الكثير من مصنّفي كتب الأبواب ويشبه في عمله هذا صنيع البخاري في صحيحه من حيث العناية الكبيرة بالفقه في التراجم ، ولا يعرف كتاب بعد صحيح البخاري اعتنى فيه صاحبه بفقه الأبواب عناية أبي عوانة بهذا
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 628
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٢٨