في وطنه ، ولا يعنيه الانتماء لأية جنسية .
وثمة إشكالية أخرى تظهرها قصة « الهوية الضائعة » التي تروي خشية فاديا المرأة المغتربة من لبنان أن تكون قد أضاعت الهويتين من وطنها الأم ووطن المغترب ( الأرجنتين ) ، إذ حصلت على الهوية ، ولم يقلل ذلك من وطأة معاناتها وأمثالها من الجالية العربية .
استفاد محمد فائز اسعيد من بعض تقانات السرد المتطورة في تفصيل المنظور السردي الهادف إلى جلاء أغراض القصة ، مثل المفارقة اللفظية والمعنوية التي تتكرر في عديد القصص كما هو الحال في قصة « نقاط الجغرافية » ، فقد التقى به الراوي ، وأثيرت في لقائهما معاناة غربته ، فأراد أن ينهي اللحظات الوجدانية بينهما ، لأنه لم يصل إلى آخر الدنيا ليبكي على حالهم ، فلجأ إلى المفارقة اللفظية للإفصاح عن حساسية الانتماء ومعاناته في الغربة تحت وطأة ضغوط الجغرافية القاهرة ، فخاطب الغيوم باعثا الدلالات الثرة الناجمة عن هذه المفارقة : « اذهبي حيث شئت لأن كلّ ذرة من ذراتك تحمل وتحكي عن قضيتي حتى ولو وصلت إلى بويرتو مونت » [ ص 68 ] .
وتوجز قصة « دوامة الوطن » معنى الغربة وأسباب مجاوزته بوعي الانتماء ودفق الحنين إلى جذوره ، فالمرء ابن تمثيله الثقافي وأصوله الثقافية العريقة والعميقة : « لا نريد أن نكون غرباء في أنفسنا ، لأن الوطن في داخلنا ، ومهما اغتربنا ، فنحن قريبون منه . . أما الأحداث فهي ذكريات . . الوطن هو نحن . . هو روحنا وفكرنا ومشاعرنا ، وعلينا أن نتكيف مع كل شيء » [ ص 113 ] .
وبنى فائز إسعيد قصص مجموعته « النورس المتسول » وفق أمرين : الأول هو مقاربة الصور الإنسانية لأفراد الجماعة المغمورة بتأثير عوامل الحاجة إلى معاني الحياة المهددة بالفقر أو المرض أو الشيخوخة أو التشرد ، والثاني هو الإيمان بالإنسانية والتعلق بفيضها نحو تقديس الطبيعة دفاعا عن البيئة أو رفضا لبعض القيم الجديدة في مجتمعاتنا مما لا يتفق مع الأعراف والتقاليد أو انتقادا لبعض المظاهر الحضارية التي أهملت الإنسان أو تذكيرا بقيم أخلاقية أخذت بالضعف والزوال أو تعبيرا عن مثاليات لم يعد لها مكان في عالم اليوم بما يجعل من قصصه « رحلة في المشاعر والعواطف الإنسانية التي تتواجد داخل الكثيرين منا » حسب تعبيره في تقديمه لمجموعته [ ص 8 ] . ورأت سلمى شلاش القاصة والروائية من مصر في كلمتها على غلاف المجموعة أن « الكاتب يحمل معه أينما ارتحل في أرجاء الكون أدواته من فكر وتفاعل وتناغم يسجل ما يرى وما يسمع . .
دهشته هي التي تحدد هوية أعماله . . في لحظات نادرة من يقظة الوعي » .
عنيت قصة « بيومي لا يحبّ العزلة » بالتعاطف الحميم مع المحتاج إليه ، واستعان القاص بالسخرية في قصة « فيزا للشوق والحنين » ، فقد تفاقمت وطأة الشيخوخة على روحه لدى شكواه من عدم الحصول على تأشيرة لزيارة ابنته المتزوجة في إيطاليا ، فحصر في المطار ، ومنع من الدخول ، وعليه المغادرة عائدا إلى وطنه ، وغمره التأسي الحزين ، فاستطرد قائلا : « - حتى الشم كان عبر الحدود بإشراف مسؤولي الأمن والهجرة والجمارك » .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 610
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦١٠