والرجاء والتعاطف العميم مع جماعة المغتربين المغمورة بوطأة عيشها ودفق حنينها لوطنها . يجلس ممثل الوطن ( الرامي ) في قصة « عندما يكبر الوطن » مع المغترب « انطون » الشاكي من وطأة الغربة على وجدانه وهو يتذكر قريته « بحور » من أعمال حمص الملاصقة لبلدة « رباح » ، وتتحشرج المرارة في نفسه لاعنا أبا الغربة ، ثم يدفعه الحنين إلى أن يعلن أنه يحضّر نفسه وعائلته للعودة ، وقد أدرك الراوي فجأة جواب سؤال قديم ، وتأكد بأن الوطن يكبر برجاله ، ولا يكبر الرجال بوطنهم ، وعاهد نفسه أنه في أول سفرة للوطن سيزور بحور قرية المغترب التي تعلم منها كيف يكبر الوطن من كل قرية أو من كل ذرة من ترابه . وختم القصة بتصويب معنى الحنين في وجدانه : « أرجو المعذرة ، فالمعادلة غير صحيحة فيما اعتقد ، الوطن يكبر برجاله ، كما يكبر الرجال بوطنهم . . ألا ترى ذلك » [ ص 21 ] .
ويتأسى أبو مصطفى في قصة « وتختصر الدنيا » لفقد زوجته الأولى على الرغم من رحابة صدر زوجته الثانية الشابة قياسا لعمره ، فقد تزوجها في السبعينات من عمره وهي في الأربعينات ، وحلت خديجة محل الراحلة .
وقضى خمسين سنة من عمره في الأرجنتين ثم عاد إلى بلدته يبرود . وظن الأولاد أن عودته للوطن بسبب وفاة زوجته وشعوره بالوحدة ، ولكنه اعترف في صميمه « أن المرء في وطنه يشبه من يجلس على كومة ذهب ، لا يراها ويدرك قيمتها وبريقها إلا عن بعد » [ ص 28 ] .
وعندما مشى في الطريق إلى بلدته ، رأى الدنيا كلها مختصرة في هذا الطريق وفي هذه البلدة ، « وهل دنيا الإنسان غير ألفة ومحبة ومودة ، وهل حياته غير بسمة وكلمة حلوة ولفتة حنان » [ ص 29 ] .
وأحس أحدهم بالاغتراب في قصة « دمشق في بوينس ايرس » على الرغم من مدة إقامته الطويلة . فإنه « كان يعيش دمشق في بونيس ايرس ، بل كان أحيانا يختصر الأرجنتين كلّها لتصبح إحدى حارات دمشق ، وما أكثر ما كان يقارن ويتذكر ويذكر » [ ص 32 ] .
والقصة أقرب إلى مرثية للمغترب فتحي ، فالراوي ينسى غربته عندما يكون معه ، وعندما علم بموته شعر بالغربة لأول مرة ، وأحس بابتعاده عن دمشق ، « أما الأرجنتين ، فعلى الرغم من تعرفي عليها فإن الكثير من الأسئلة تبقى بحاجة إلى جواب وتوضيح سواء كان ذلك صحيحا أو خطأ ، وألتفت لأسأل فتحي فلا أرى إلا ابتسامته ووجهه السمح ، وتبقى آلاف الأسئلة دون جواب » [ ص 37 ] .
تعنى قصص « عندما يكبر الوطن » بالجماعة المغمورة من المغتربين ، وتتعاطف معها بشرا يكابدون قسوة الحياة في المغترب ، ولا شيء يثري نفوسهم المترعة بصور الوطن سوى الحنين وعزيمة البقاء منتمين لإنسانيتهم ، فصوّر في قصة « وما يزال صاحبنا تائها » النزوع الإنساني الذي يغطي إرباكات الانتماء الديني وتعارضاته مع الانتماء الوطني والقومي ، فقد لفت نظر الراوي حال هذا المغترب المعذب حتى ظن أنه ربما كان ملاحقا في سورية ، غير أن المغترب صرح أنه يهودي من حلب ، فصرخ متأسيا « سيبوني يا ناس » تناصا مع مدى المفارقة اللفظية والمعنوية في أنه إنسان شديد الاعتزاز بتكوينه
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 609
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٠٩