وحجرا قتلنا عنوة فكأنّما * هوى من حفافي صعبة المتنزّل
فما أفلحت في الغزو كندة بعدها * ولا أدركوا مثقال حبّة خردل
سوى كلمات من أغاني شاعر * وقتلى تمنّى قتلها لم تقتّل
عززنا فما للمجد من متحوّل * سوى أهله من آخرين وأوّل
وتنتظم « نا » الجمع الأبيات ، فالشاعر فرد من هؤلاء الذين حقّقوا النصر ، وأسسوا للمجد بنيانا لم يتحوّل عنهم فهم أهله .
ويكشف البيتان الرابع والخامس عمّا يشبه الوظيفة التطهيرية للشعر
Catharsis
فالتغني بالأمجاد الموهومة قد يحقّق نوعا من شفاء النفس ، وقد ورد في العمدة حديث شريف بهذا المعنى ، قال ابن رشيق : روى ابن عائشة ، يرفعه - قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « الشعر كلام من كلام العرب جزل ، تتكلّم به في نواديها ، وتسلّ به الضغائن من بينها » [ العمدة ، 1 / 23 ] .
وبهذا يصبح الشعر الجاهلي قيمة من القيم الحضارية للعصر الجاهلي ، فضلا عن تضمّنه لقيم حضارية تتّصل بهذا المجتمع .
فإذا كنا نحاول في دراستنا للشعر ، وفي قراءتنا له - أن ننشد ضربا من الوحدة بين حضارة الإنسان والشعر - فإنّ هذه الوحدة كما يراها عز الدين إسماعيل : « هي الوحدة التي نستطيع أن نرى فيها القيمة الحضارية من خلال الشعر ، ونرى الشعر من خلال القيم الحضارية » [ روح العصر ، 73 ] .
وقد كانت المجالس في العصر الجاهلي تمثّل مظهرا من مظاهر الحضارة بوصفها تضم النخبة التي تمثّل البنية العليا للمجتمع ، والتي يمكن أن نطلق عليها مجالس حكماء القبيلة ، يقول عمرو بن شأس :
وإن يأتنا ذو حاجة يلف وسطنا * مجالس ينفي فضل أحلامها الجهلا
تقول فنرضى قولها ونعينها * بقول إذا ما أخطأ القائل الفصلا
فالمجالس ينتظمها الحلم الذي ينفي عنها الجهل ، والحكماء يقولون فيقبل من في المجلس قولهم إن كان هو القول الفصل ، أو يعينونهم بقول سديد إذا أخطأ القائل الفصل .
ومستوى الأداء الفني مستوى عالي الجودة يكشف عن عمق وشاعرية استكمل لها شاعرها أدواتها .
والشاعر يؤكّد مسؤولية المتكلّم من حيث صدقه ، ومن حيث صياغته أو نظمه وعرضه معرضا مقبولا شكلا ومحتوى ، يقول عمرو :
[ د / 38 - 39 ] :
ألا أيّها المرء الذي ليس منصتا * ولا قائلا إن قال حقّا ولا عدلا
إذا قلت فاعلم ما تقول ولا تكن * كحاطب ليل يجمع الدّق والجزلا
ويمثل الحلم والفضل والقول الفصل بانيات رئيسية من بانيات نموذج القبيلة عند عمرو بن شأس ، إلى جانب البانيات الموروثة والتي عبر عنها عمرو أروع تعبير وأعمقه في لاميته من بحر الكامل ، حيث يقول : [ د / 35 ]
نحن الذين لحلمنا فضل * قدما ، وعند خطيبنا فصل